أبوذر الغفاري رمز اليقظة في الضمير الإنساني - الفقيه، الشيخ محمد جواد - الصفحة ٢٢ - صُورَة مُجْمَلة
نعم. كان أبو ذر انساناً رسالياً ، ولم يكن انساناً عادياً. وكان في بعض مواقفه يمثل مواقف أمير المؤمنين علي عليهالسلام. ولا غرو ولا عجب ، فهو تلميذ الإمام وواحد من أكثر الناس إخلاصاً له.
قال أمير المؤمنين عليهالسلام :
« ولو شِئتُ لاهتديتُ الطريق الى مُصفى هذا العسلِ ، ولُبابِ هذا القمح ، ونَسائجِ هذا القزِّ ، ولكن هيهات أن يغلبني هواي ، ويقودني جَشعي الى تخيُّرِ الأطعمة ، ولعلَّ بالحجاز أو اليمامة ، من لا طمع له في القرص ، ولا عهد له بالشبع ، أوَ أبيت مبطاناً ، وحولي بطون غرثى ، وأكباد حرَّى ، أوَ أكونُ كما قال القائل :
| وحسبك داء أن تبيت ببطنة |
| وحولك أكباد تحِنُّ الى القدِّ [١] |
لقد كان أمير المؤمنين علي عليهالسلام ، يقول هذا ، ومقدرات الأمة تحت قبضة يده ، بل المعروف أن صدقاته الخاصة وحدها كانت تساوي آلاف الدنانير ذهباً.
نعم. كان يقول هذا ـ ويعمل بما يقول مع نفسه ـ ليلفت أنظار المسلمين الى ضرورة تفقد الضعفاء ، والمقهورين ، والمدفوعين عن حقوقهم ، ويلفت انظار الولاة الى الرفق بالرعية وتفقد أحوالهم.
وكان أبو ذر ـ تلميذ الإمام ـ ممن سار على هذا الهدي ، فقد كان عطاؤه السنوي اربعماية ديناراً ذهباً. ومع هذا فانه كان لا يدخر منها
[١] نهج البلاغة ٣ / ٧١/ ٧٢ ( الجشع ـ الحرص ـ البطنة ـ الاشر ـ والبطر ). القد : سير من جلد غير مدبوغ ، والمعنى ان بعضهم يطلب أكله فلا يجده.