الإيمان والكفر في الكتاب والسنّة - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٩١ - ٢ ـ النهي عن الجدل والخوض في القدر
والاِجابة عن الاستدلال واضحة، لاَنّ الجدل المنهىّ عنه، هو المجادلة
لدحض الحق لا النظر لاِثبات الحق قال سبحانه: (وَجَادَلُوا بِالبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ
الحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَاب )(غافر ـ ٥) وأمّا إذا كانت الغاية، إبطال الباطل،
وإثبات الحق، فقد أمر به سبحانه وقال: (وَجَادِلْهُمْ بِالّتِي هِىَ أحْسَن )(النحل ـ
١٢٥) والنهي عن الخوض في القدر، لايدل على النهى عن التفكّر في خلق
السماوات والاَرض، وذلك لاَنّ القدر أمر غيبىّ لا يفيد الخوض فيه شيئاً كما قال
الاِمام علي ـ عليه السلام ـ: "طريق مظلم فلا تسلكوه، وبحر عميق فلا تلجوه،
وسرّ الله فلا تتكلّفوه[١](".
وفي نفس الوقت أنّ الاِمام خاض فيه لقلع الشبهة إلتى عالقت ذهن الشيخ
الذي سأله عنه عند منصرف الاِمام من صفين [٢]
وأمّا التمسّك بقوله: "عليكم بدين العجائز" فهو مكذوب على لسان النبي،
كيف يجوز للنبي أن ينهى الناس عن التفكّر والاستدلال مع دعوته إليه في كتابه
المنزل إليه قال سبحانه: (الّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِـهِمْ
وَيَتَفَكّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ والاَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هذا بَاطِلاً سُبْحانَكَ فَقِنَا
عَذَابَ النّار )(آل عمران ـ ١٩١) وقال سبحانه: (أَوَلَم يَتَفَكَّرُوا فِي أنفُسِهِم مَا
خَلَقَ اللهُ السَّمواتِ والاَرْضَ وَمَا بَيْنَهُما إلاّ بِالحَقِّ وأجَلٍ مُسَمّى )(الروم ـ ٨) .
روى أنّ عمر بن عبد الله المعتزلي قال: إنّ بين الكفر والاِيمان منزلة بين
المنزلتين، فقالت عجوز: قال الله تعالى: (هُوَ الّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُم كافر ومِنْكُم
مُوَمن ) فلم يجعل من عباده إلاّ الكافر والموَمن، فسمع سفيان كلامها فقال:
عليكم بدين العجائز [٣]
وهناك من جوّز التقليد ـ تجاه من أوجبه ـ وقال: بأنّه لو وجب النظر في
[١] نهج البلاغة: قسم الحكم ، رقم ٢٨٧ .
[٢] نهج البلاغة: قسم الحكم ، رقم ٧٨ .
[٣] زين الدين العاملي: حقائق الاِيمان: ٦٣. والآية ٢ من سورة التغابن.