الإيمان والكفر في الكتاب والسنّة - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٥٦ - حياة السيد المسيح ـ عليه السلام ـ في ضوء الكتاب والسنّة
ليس مرادفاً للموت، بل معناه الاَخذ التام وهو يتحقّق تارة بالاِماتة، وأُخرى بالنوم
وثالثة بالاَخذ من بين الناس والمجتمع، فلا يدلّ ظاهر الآية إلاّ على المعنى
الجامع، ولا يصبح لاَحد الفريقين (القائل بإماتته، أو القائل برفعه حياً) التمسك
به لتأييد مذهبه. وقد عرفت دلالة الآيتين السابقتين على رفعه حياً فالآيات يفسر
بعضها بعضاً.
خلاصة ما سبق في الآيات الثلاث:
تدلّ الآية الاَُولى على أنّه سبحانه وعد المسيح بأنّه آخذه ورافعه إليه، لا أنّه مميته ورافعه إليه، والاشتباه حصل في جعل "التوفّى" بمعنى الاِماتة ومفادها أنّه سبحانه وعد المسيح بأخذه من يد اليهود ورفعه إليه حتى لا يتمكنوا من قتله وصلبه. وأمّا تعيين مصيره بعد الرفع، وأنّه هل بقي حياً لحد الآن أم لا ؟ فلا تدلّ الآية على شيء منه، بل الآية تدلّ على أنّه كان حياً عند الاَخذ والرفع، وانّ ظرف الرفع هو نفس ظرف وزمان الهجوم الذي قام به اليهود عليه. وتدلّ الآية الثانية على نفس ما دلّت عليه الآية الاَُولى غير أنّ دلالتها على ذلك المعنى أظهر، فهي تدلّ على أنّه سبحانه خلّص المسيح من أيدي الطواغيت ولم يتمكّنوا من قتله وصلبه، وتحقّق بذلك الاَمر برفعه (حياً) دون أن تنال منه اليهود. ولو كان الرفع مقروناً بالاِماتة فهو لا يناسب الآية، لاَنّ الله تعالى بصدد امتداح نفسه في هذه الآية بإنقاذ وتخليص نبيّه من أيدي أعدائه المهاجمين، والاَنسب لهذا الموقف هو رفعه حياً لا إماتته ثم رفعه ميتاً، لاَنّه ليس في هذا ما يوجب امتداحاً للرفع.