الإيمان والكفر في الكتاب والسنّة - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٥٤ - حياة السيد المسيح ـ عليه السلام ـ في ضوء الكتاب والسنّة
الادّعاء، فتكون النتيجة أنّ هاهنا دعويين:
الاَُولى: ما يدّعيه اليهود هو: قُتِلَ المسيح وصُلِب.
الثانية: ما يقوله القرآن: ما قتل المسيح وما صلب بل رفع.
وبما أنّ متعلّق القتل والصلب هو الوجود الخارجي، أي جسمه وروحه،
فيكون ذلك متعلّق الرفع أيضاً، أي رفع بجسمه وروحه.
وبذلك يظهر بطلان أمرين:
الاَوّل: "إنّ الله سبحانه أمات المسيح أوّلاً ثم رفعه" [١] وذلك لاَنّه مخالف
لظاهر الآية، فإنّ الاضراب الواقع في قوله تعالى: (بل رفعه الله )لا يكون اضراباً
عن قول اليهود إلاّ برفعه حياً لا برفعه ميتاً، فهذا الرفع كان نوع تخليص للمسيح،
فأنجاه الله به من أيدي اليهود سواء أمات بعد ذلك أم بقي حياً، بإبقاء الله تعالى
له، وعلى كل تقدير فلا يكون قوله: (بل رفعه الله )إبطالاً لقول اليهود إلاّ إذا رفع
حياً.
الثاني: "أنّ المراد من الرفع، رفع درجته" [٢] وذلك لاَنّ المتبادر من الرفع
هو رفع شخصه من بين الاَعداء، لا إعلاء مقامه ودرجته، لاَنّ مصب البحث هو
قتل عيسى وصلبه، والآية بصدد التنديد بذلك الزعم وإبطاله، إذ تقول: (وَما
قَتَلُوهُ يَقيناً * بل رفعه الله إليه )ولا يتم هذا التنديد إلاّ بتفسير الرفع، برفع عيسى
ببدنه وشخصه من بين الاَعداء، ولا يناسب تفسيره بإعلاء مقامه، لاَنّ البحث
ليس حول درجة المسيح ومقامه وهذا بخلاف قوله تعالى: (ورفعناه مكاناً
علياً).
[١] وهذا التفسير عين ما ورد في الاَناجيل المحرّفة من موت المسيح ثم رفعه بعد أُسبوع أو أيام قلائل فكيف يعتمد على هذا الوجه؟!
[٢] وهذا نفس ما احتمله المراغى في تفسيره، وربما يدّعى أنّه المبدع للشبهة فقد نسبها إليه الشيخ "مصطفى صبري" شيخ الاِسلام للدولة العثمانية سابقاً في كتابه "موقف العقل والعلم والعالم من ربّ العالمين وعباده المرسلين": ص١٥.