الإيمان والكفر في الكتاب والسنّة - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٥٢ - حياة السيد المسيح ـ عليه السلام ـ في ضوء الكتاب والسنّة
وهذا النوع من التفسير لا يليق بشرف كلامه سبحانه، إذ لا وجه لتقديم
الاِماتة على الرفع مع كون الحقيقة على العكس.
وأمّا الثاني: فلأنّ الرفع تعلّق بـ "عيسى" وهو علم للشخص الخارجى،
أعني البدن الماثل أمام الاَبصار وكون حقيقة الاِنسان هي الروح لا يصحح
الخطاب للشخص الخارجي.
فإذا قال شخص: جاء زيد وأكل عمرو، فلا تصح نسبة الفعلين إلى الروح
بحجّة أنّ حقيقة الاِنسان هي الروح، بل الظاهر أنّ المسيح رفع بعنصره الخارجى
وشخصه وهيكله الماثل بين الاَصدقاء والاَعداء، كما لا يصح تفسير الآية بتعلّق
الرفع بالروح كذلك لا يصح تفسيرها بعلو الدرجة، وكون الرفع رفعاً معنوياً
قياساً على قوله تعالى: (وَرفَعناه مَكَاناً عَلِياً )فإنّ قوله: (مكاناً علياً )ربّما يكون
شاهداً في المقيس عليه لا في المقيس [١].
على أنّ الرفع هناك معنوي لا حسّـي بخلاف المقام، فإنّ القرينة فيه على
العكس، وإنّ الرفع حسّـي وعلى هذا ينحصر تفسير الآية على الوجه التالي:
"متوفّيك": أي آخذك، ومخلّصك من أيدى الاَعداء، ولما كان أخذه
وتخليصه يتوقف على نقله إلى مكان آخر، أشار إلى مكانه بقوله: (ورافعك
إليّ): أي إلى نقطة عالية ولا تعنى لفظة "إلىّ" من هذه الجملة أو لفظة "إليه" في
الآية التالية: "بل رفعه الله إليه" سوى ما يعنيه قوله في حقّ الشهداء المقتولين في
سبيل الله بأنّهم: (أحياءٌ عِنْدَ رَبِّهِم يُرزَقُون ).
نعم ذكر "الخازن" وجهاً آخر للجمع بين "متوفّيك" و"رافعك" وقال: إنّ
[١] قال العلاّمة الطباطبائي: المراد بالمكان العلى الذي رفع إليه، درجة من درجات القرب إذ لا مزية في الارتفاع المادّي والصعود إلى أقاصى الجو البعيدة أينما كان. وقيل إنّ المراد بذلك ـ كما ورد به الحديث ـ إنّ الله رفعه إلى بعض السماوات وقبضه هناك، وفيه إراءة آية خارقة وقدرة إلهية بالغة وكفى به مزية. الميزان: ١٤|٦٦ ـ ٦٧.