قواعد العقائد - الطوسي، الخواجة نصير الدين - الصفحة ١٤٣ - في الإسلام والإيمان
كونه أعمّ، فلأنّ من أقرّ بالشهادتين كان حكمه حكم المسلمين، لقوله تعالى: (قالَتِ الأَعْرابُ آمَنّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا) . وأمّا كون الإسلام في الحقيقة هو الإيمان، فلقوله تعالى: (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللّهِ الإِسْلام) .
من اختلاف أهل الكتاب بعد العلم بغياً بينهم، أنّ الدّين عند اللّه سبحانه واحد لا اختلاف فيه، ولم يأمر عباده إلاّ به ولم يبيِّن لهم فيما أنزله من الكتاب على أنبيائه إلاّ إيّاه، ولم ينصب الآيات الدالّة إلاّ له، وهو الإسلام الذي هو التسليم للحقّ الذي هو حقّ الاعتقاد وحق العمل، واختلاف الشرائع إنّما هو بالكمال والنقص دون التضاد والتنافي، ويجمع الجميع أنّها تسليم وإطاعة للّه سبحانه، فيما يريده من عباده على لسان رسله.[١]
فحقيقة الإسلام هي الانقياد والتسليم، وأمّا الإيمان فهو مشتقّ من الأمن، وإذا استعمل متعدّياً كان بمعنى التصديق الّذي يلازمه أمن.قال الراغب: الإيمان التصديق الّذي معه أمن واختلفوا في حقيقة تلك الأمنيّة، فقال الزمخشري: «حقيقته أمنه التكذيب والمخالفة».[٢]
وقال الشهيد الثاني: «حقيقة آمن به، سكنت نفسه واطمأنّت بسبب قبول قوله وامتثال أمره».[٣]
وقال العلاّمة الطباطبائي: «الإيمان تمكّن الاعتقاد في القلب مأخوذ من الأمن، كأنّ المؤمن يؤتى لما أمن به، الأمن من الريب والشك، وهو آفة الاعتقاد».[٤]
فاتّضح ممّا تقدّم أنّ الإسلام والإيمان متغايران لغة، وأمّا باعتبار المصداق فالنسبة بينهما هي العموم والخصوص من وجه، وذلك لأنّ كلاً منهما يعتبر إمّا بلحاظ اللفظ، وإمّا بلحاظ العقد القلبي، فباعتبار اللفظ متّحدان، فإنّ التسليم والتصديق متّحدان لفظاً، وكذلك باعتبار العقد القلبي، فالتصديق القلبي يلازم التصديق كذلك، وأمّا إذا اعتبر أحدهما لفظاً والآخر قلباً كانا مختلفين، فمن المؤمن لفظاً من ليس بمسلم قلباً وبالعكس.
[١] المصدر السابق: ٣/١٢٠ـ ١٢١.
[٢] الكشاف: ١/٣٨.
[٣] حقائق الإيمان: ص٥٠، ط منشورات مكتبة المرعشي بقم.
[٤] الميزان: ١/٤٥.