مقتضب الأثر في النصّ على الأئمة الإثني عشر - الجوهري، ابن عيّاش - الصفحة ٣٤
وَ بِقَوْمِكَ الْمَوْعِدُ، وَ قَدْ كُنْتُ وَعَدْتُهُ قَبْلَ عَامِي ذَلِكَ أَنْ أَفِدَ إِلَيْهِ بِقَوْمِي؛ فَلَمْ آتِهِ وَ أَتَيْتُهُ فِي عَامِ الْحُدَيْبِيَةِ؛ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! بِنَفْسِي أَنْتَ مَا كَانَ إِبْطَائِي عَنْكَ إِلَّا أَنَّ جُلَّةَ قَوْمِي أَبْطَئُوا عَنْ إِجَابَتِي حَتَّى سَاقَهَا اللَّهُ إِلَيْكَ لِمَا أَرَادَ لَهَا مِنَ الْخَيْرِ لَدَيْكَ، فَأَمَّا مَنْ تَأَخَّرَ عَنْهُ فَحَظُّهُ فَاتَ مِنْكَ؛ ذَلِكَ أَعْظَمُ حَوْبَةً[١] وَ أَكْثَرُ عُقُوبَةً وَ لَوْ كَانُوا مِمَّنْ سَمِعَ بِكَ أَوْ رَآكَ لَمَا ذَهَبُوا عَنْكَ؛ فَإِنَّ بُرْهَانَ الْحَقِّ فِي مَشْهَدِكَ وَ مَحْتِدِكَ[٢] وَ قَدْ كُنْتُ عَلَى دِينِ النَّصْرَانِيَّةِ قَبْلَ أَتْيَتِي إِلَيْكَ الْأُولَى فَهَا أَنَا تَارِكُهُ بَيْنَ يَدَيْكَ إِذْ ذَلِكَ مِمَّا يُعَظِّمُ الْأَجْرَ وَ يَمْحُو الْمَأْثَمَ وَ الْحُوبَ وَ يُرْضِي الرَّبَّ عَنِ الْمَرْبُوبِ؛ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ أَنَا ضَامِنٌ لَكَ يَا جَارُودُ! قُلْتُ: أَعْلَمُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَّكَ بِذَلِكَ ضَمِينٌ قَمِينٌ[٣] قَالَ: فَدِنِ الْآنَ بِالْوَحْدَانِيَّةِ وَ دَعْ عَنْكَ النَّصْرَانِيَّةَ، قُلْتُ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَ أَنَّكَ عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ وَ لَقَدْ أَسْلَمْتُ عَلَى عِلْمٍ بِكَ وَ نَبَإٍ فِيكَ؛ عَلِمْتُهُ مِنْ قَبْلُ، فَتَبَسَّمَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ كَأَنَّهُ عَلِمَ مَا أَرَدْتُهُ مِنَ الْإِنْبَاءِ فِيهِ، فَأَقْبَلَ عَلَيَّ وَ عَلَى قَوْمِي فَقَالَ: أَ فِيكُمْ مَنْ يَعْرِفُ قُسَّ بْنَ سَاعِدَةَ الْإِيَادِيَّ؟ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كُلُّنَا نَعْرِفُهُ غَيْرَ أَنِّي مِنْ بَيْنِهِمْ عَارِفٌ بِخَبَرِهِ وَاقِفٌ عَلَى أَثَرِهِ، كَانَ قُسُّ بْنُ سَاعِدَةَ يَا رَسُولَ اللَّهِ سِبْطاً مِنْ أَسْبَاطِ الْعَرَبِ عُمِّرَ خَمْسَمِائَةِ عَامٍ تَقَفَّرَ مِنْهَا فِي الْبَرَارِي خَمْسَةَ أَعْمَارٍ يَضِجُّ بِالتَّسْبِيحِ عَلَى مِنْهَاجِ الْمَسِيحِ؛ لَا يُقِرُّهُ قَرَارٌ وَ لَا يَكُنُّهُ جِدَارٌ[٤] وَ لَا يَسْتَمْتِعُ مِنْهُ جَارٌ، لَا يَفْتُرُ مِنَ الرَّهْبَانِيَّةِ وَ يَدِينُ اللَّهَ بِالْوَحْدَانِيَّةِ يَلْبَسُ الْمُسُوحَ وَ يَتَحَسَّى فِي سِيَاحَتِهِ بَيْضَ النَّعَامِ[٥] وَ يَعْتَبِرُ بِالنُّورِ وَ الظَّلَامِ يُبْصِرُ وَ يَتَفَكَّرُ فَيَخْتَبِرُ؛
[١] الحوبة: الاثم.
[٢] المحتد: الاصل.
[٣] القمين: الخليق الجدير.
[٤] كنّ الشىء: ستره فى كنه و غطاه و أخفاه و صانه من الشّمس.
[٥] المسوح جمع المسح بالكسر: ما يلبس من نسيج الشّعر على البدن تقشعا و قهرا للجسد. و تحسى المرق: شربه شيئا بعد شىء.