مقتضب الأثر في النصّ على الأئمة الإثني عشر - الجوهري، ابن عيّاش - الصفحة ٢١
فَمَا أَفَقْتُ إِلَّا بِهِ وَ رَأَيْتُ فِي يَدِهِ طَاقَةً مِنْ آسٍ يَضْرِبُ بِهَا مَنْخِرِي؛ فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: مَا ذَا أَقُولُ لَهُ بَعْدَ هَذَا؟ وَ قُمْتُ وَ أَنَا وَ اللَّهِ أَجِدُ إِلَى سَاعَتِي رَائِحَةَ هَذِهِ الطَّاقَةِ مِنَ الْآسِ، وَ هِيَ وَ اللَّهِ عِنْدِي لَمْ تَذْوِ وَ لَمْ تَذْبُلْ[١] وَ لَا تَنْقُصُ مِنْ رِيحِهَا شَيْءٌ؛ وَ أَوْصَيْتُ أَهْلِي أَنْ يَضَعُوهَا فِي كَفَنِي، فَقُلْتُ: يَا سَيِّدِي مَنْ وَصِيُّكَ؟ قَالَ: مَنْ فَعَلَ مِثْلَ فِعْلِي، قَالَتْ: فَعِشْتُ إِلَى أَيَّامِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ عَلَيْهِ السَّلَامُ.
«قَالَ زِرُّ بْنُ حُبَيْشٍ خَاصَّةً دُونَ غَيْرِهِ: وَ حَدَّثَنِي جَمَاعَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ سَمِعُوا هَذَا الْكَلَامَ مِنْ تَمَامِ حَدِيثِهَا، مِنْهُمْ: مِينَا مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْفٍ وَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ مَوْلَى بَنِي أَسَدٍ، سَمِعَاهَا تَقُولُ هَذَا، وَ حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ الْمَخْزُومِيُّ بِبَعْضِهِ عَنْهَا».
قَالَتْ: فَجِئْتُ إِلَى عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَ هُوَ فِي مَنْزِلِهِ قَائِماً يُصَلِّي، وَ كَانَ يُطَوِّلُ فِيهَا وَ لَا يَتَحَوَّزُ[٢] فِيهَا وَ كَانَ يُصَلِّي أَلْفَ رَكْعَةٍ فِي الْيَوْمِ وَ اللَّيْلَةِ فَجَلَسْتُ مَلِيّاً فَلَمْ يَنْصَرِفْ مِنْ صَلَاتِهِ، فَأَرَدْتُ الْقِيَامَ فَلَمَّا هَمَمْتُ بِهِ حَانَتْ مِنِّي الْتِفَاتَةٌ إِلَى خَاتَمٍ فِي إِصْبَعِهِ؛ عَلَيْهِ فَصٌّ حَبَشِيٌّ، فَإِذَا هُوَ مَكْتُوبٌ مَكَانَكِ يَا أُمَّ سُلَيْمٍ أُنَبِّئُكِ بِمَا جِئْتِنِي لَهُ قَالَتْ: فَأَسْرَعَ فِي صَلَاتِهِ فَلَمَّا سَلَّمَ قَالَ لِي: يَا أُمَّ سُلَيْمٍ! ايتِينِي بِحَصَاةٍ- مِنْ غَيْرِ أَنْ أَسْأَلَهُ عَمَّا جِئْتُ لَهُ- فَدَفَعْتُ إِلَيْهِ حَصَاةً مِنَ الْأَرْضِ فَأَخَذَهَا فَجَعَلَهَا بَيْنَ كَفَّيْهِ فَجَعَلَهَا كَهَيْئَةِ الدَّقِيقِ السَّحِيقِ ثُمَّ عَجَنَهَا فَجَعَلَهَا يَاقُوتَةً حَمْرَاءَ ثُمَّ خَتَمَهَا فَثَبَتَ فِيهَا النَّقْشُ؛ فَنَظَرْتُ وَ اللَّهِ إِلَى الْقَوْمِ بِأَعْيَانِهِمْ كَمَا كُنْتُ رَأَيْتُهُمْ يَوْمَ الْحُسَيْنِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَقُلْتُ لَهُ: فَمَنْ وَصِيُّكَ جَعَلَنِيَ اللَّهُ فِدَاكَ؟ قَالَ: الَّذِي يَفْعَلُ مِثْلَ مَا فَعَلْتُ وَ لَا تُدْرِكِينَ مِنْ بَعْدِي
[١] ذبل النّبات قل ماؤه و ذهبت نضارته.
[٢] تحوز: تنحّى و قال المجلسى( ره) لعلّه كناية عن عدم الفصل بين الصّلوات و كثرة التّشاغل بها.