السيرة المحمّدية - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٦٣ - ٦ الحديبية رحلة دينية سياسية
واختار الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) «عمر بن الخطاب» لمهمة سفارة أُخرى لقريش، لاَنّه لم يكن قد أراق دم أيّمن المشركين حتى ذلك الوقت، ولكنّه اعتذر عن تحمّل هذه المسوَولية المحفوفة بالمخاطر قائلاً: «يا رسول اللّه، إنّي أخاف قريشاً على نفسي، وليس بمكة من بني عدي من يمنعني،ولكنّي أدلّك على رجل أعزّ بها منّي عثمان بن عفان».[١] إلاّ أنّ قريشاً ألقت القبض على عثمان وحبسوه،لعلّهم يتوصلون إلى حلّ فيطلقوه ليبلغ الرسولرأيهم. فلمّا أبطأ عثمان عنهم، وأوجد ذلك قلقاً شديداً في نفوس المسلمين، وخاصة إنّه أُشيع أنّ عثمان قتل، فإنّالمسلمين ثاروا وقرروا الانتقام والقتال، ممّا دعا النبيإلى أن يجدّد بيعته مع المسلمين، فبايعوه تحت الشجرة على الاستقامة والثبات والوفاء، وحلفوا ألاّ يتخلّوا عنه أبداً، وأن يدافعوا عن حياض الاِسلام حتى النفس الاَخير، وسميت هذه البيعة: بيعة الرضوان، التي ذكرها القرآن الكريم بقوله: (لَقَدْ رَضِيَ اللّهُ عَنِ الْمُوَمِنينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرة فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَة عَلَيْهِمْ وَأَثابَهُمْ فَتْحاً قَريباً) .[٢] وبذا فإنّ موقف المسلمين تحدّد في: إمّا دخول مكة وزيارة بيت اللّه، وإمّا القتال فيما لو تصلب موقف قريش الرافض لذلك. ولكن «عثمان بن عفان» رجع إليهم وأخبرهم أنّاليمين التي التزمت بها قريش بمنعهم من دخول مكة هذا العام، هي التي تجعلهم في موقف متصلب رافض، وأنّهم سيرسلون إلى الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) من يتفاوض معه في هذا الشأن. وكُلّف سهيل بن عمرو بإنهاء هذه المشكلة. ونتج عن التفاوض بين الطرفين عقد صلح شامل و
[١] السيرة النبوية:٢|٣١٥، كما أنّ بينه وبين أبي سفيان قرابة، فهو أموي.
[٢] الفتح:١٨.