خطرة الطيف - لسان الدين بن الخطيب - الصفحة ٧١ - الرسالة الثالثة كتاب معيار الاختبار في ذكر المعاهد والديار
| فماذا عسى أن ينظر الدهر ما عسى | فما انقاد للزجر الحثيث ولا لانا | |
| جزينا صنيع الله شرّ جزائه | فلم نرع ما من سابق الفضل أولانا | |
| فيا ربّ عاملنا بما أنت أهله | من العفو واجبر صدعنا أنت مولانا |
ثم قال :
| لقد مات أخواني الصالحون | فما لي صديق ولا لي عماد | |
| إذا أقبل الصبح ولىّ السرور | وإن أقبل الليل ولىّ الرقاد |
فتملكتني له رقّة ، وهزّة للتماسك مسترقة ، فهجمت على مضجعه هجوما أنكره ، وراع شاءه وعكره ، وغطّى بفضل ردنه سكّره ، فقلت له على رسلك أيها الشيخ ، ناب حنّت إلى حوار ، وغريب أنس بجوار ، وحائر اهتدى بمنار ، ومقرور قصد إلى ضوء نار ، وطارق لا يفضح عيبا ، ولا يثلم غيبا ، ولا يهمل شيبا ، ولا يمنع سببا. ومنتاب يكسو الحلّة ، ويحسن الخلّة ، ويفرغ الغلّة ، ويملأ القلّة :
| أجارتنا إنا غريبان هاهنا | وكلّ غريب للغريب نسيب |
فلمّا وقم الهواجس وكبتها ، وتأمّل المخيلة واستثبتها ، تبسّم لما توسّم ، وسمح بعد ما جمح ، فهاج عقيما فتر ، ووصل ما بتر وأظهر ما خبّأ تحت ثوبه وستر ، وماج منه البحر الزاخر ، وأتى بما لا تستطيعه الأوائل ولا الأواخر.
وقال وقد ركض الفنون وأجالها ، وعدّد الحكم ورجالها ، وفجّر للأحاديث أنهارها وذكر البلدان وأخبارها.
| لقد سئمت مآربي | فكأنّ أطيبها خبيث | |
| إلا الحديث فإنه مثل اسمه أبدا حديث | ||
فلما ذهب الخجل والوجل ، وطال المرويّ والمرتجل ، وتوسّط الواقع وتشوّفت للنجوم المواقع ، وتوردت الخدود الفواقع ، قلت أيها الحبر ، واللج الذي لا يناله السّبر ، لا حجبك قبل عمر النهاية القبر ، وأعقب كسر أعداد عمرك المقابلة بالقبول والجبر ، كأنّا بالليل قد أظهر لوشك الرحيل الهلع ، والغرب الجشع لنجومه قد ابتلع ، ومفرّق الأحباب وهو الصبح قد طلع ، فأولني عارفة من معارفك أقتنيها ، واهزز لي أفنان حكمك أجتنيها. فقال