خطرة الطيف - لسان الدين بن الخطيب - الصفحة ٦٩ - الرسالة الثالثة كتاب معيار الاختبار في ذكر المعاهد والديار
الريب فلا يشي. برّ فأكثر ، ومهّد ووثّر ، وأدفأ ودثّر ، ورقّى بسور استنزاله فأثّر. فلمّا أزحت الكلفة وأقضمت جوادي العلفة ، وأعجبتني من رفقاء الرفق الألفة ، رمقت في بعض السقائف آمنا في زيّ خائف ، وشيخا طاف منه بالأرض طائف ، وسكن حتى اليمامة والطائف ، جنيب عكّاز ومثير شيب أثيث الوفرة ، وقسي ضلوع تؤثّر بالزفرة ، حكم له بياض الشيبة بالهيبة ، وقد دار بذراعه للسبحة الرقطاء حنش ، كما اختلط روم وحبش ، والى يمينه دلو فاهق ، وعن يساره تلميذ مراهق ، وأمامه حمار ناهق ، وهو يقول :
| هم أسكنونا في ظلال بيوتهم | ظلال بيوت أدفأت وأكنّت | |
| أبوا أن يملّونا ولو أن أمّنا | تلاقي الذي يلقون منا لملّت |
حتى إذا اطمأن حلوله ، وأصحب ذلوله ، وتردّد إلى قيّم الخان زغلوله ، واستكبر لما جاءه بما يهواه رسوله ، استجمع قوّته واحتشد ، ورفع عقيرته وأنشد :
| أشكو إلى الله ذهاب الشباب | كم حسرة أورثني واكتئاب | |
| سدّ عن اللذات باب الصبا | فزارت الأشجان من كل باب | |
| وغربة طالت فما تنتهي | موصولة اليوم بيوم الحساب | |
| وشرّ نفس كلّما هملجت | في الغي لم تقبل خطام المتاب | |
| يا رب شفّع في شيبي ولا | تحرمني الزّلفى وحسن المآب |
ثم أنّ ، والليل قد جنّ ، فلم يبق في القوم إلا من أشفق وحنّ ، وقال وقد هزّته أريحيّة ، على الدنيا سلام وتحيّة ، فلقد نلنا الأوطار وركبنا الأخطار ، وأبعدنا المطار وافترقنا الأقطار ، وحلبنا الأشطار. فقال فتاه ، وقد افترّت عن الدرّ شفتاه ، مستثيرا لشجونه ، ومطلعا لنجوم همّه من دجونه ، ومدلا عليه بمجونه. وماذا بلغ الشيخ من أمدها أو رفع من عمدها حتى يقضى منه عجب ، أو يجلى منه محتجب؟ فأخذته حميّة الحفاظ لهذه الألفاظ ، وقال أي بنيّ ، مثلي من الأقطاب ، يخاطب بهذا الخطاب!! وأيم الله لقد عقدت الحلق ، ولبست من الدهر الجديد والخلق ، وفككت الغلق ، وأبعدت في الصبوة الطلق ، وخضت المنون ، وصدت الضبّ والنون ، وحذقت