خطرة الطيف - لسان الدين بن الخطيب - الصفحة ١٤٤ - الرسالة الرابعة رحلة لسان الدّين بن الخطيب في بلاد المغرب
; ، خبر ما عليه الناس من إخافة عدوهم ، واهتضام عرصتهم [٦١٣] واستهداف عقوتهم [٦١٤] ، فأمر بارتياد محل لتأسيس مدينة ، فاختير على غلوات منهم ، محل أرضه صخر منطبق على تراب يتأتّى فيه اتخاذ الخندق غير مثلوم الشفا ، بعيد المهوى ، يبني السور بما يخرج منه من الثرى ويصون الأطباق المعدّة للاختزان عن أضرار السماء ، ويكون سطح الأرض على خمس قامات من منبع الماء [٦١٥]. فشرع في البناء واستبعد الفضاء ، ومثلت الأبواب العديدة ، والأبراج المشيدة. وعاق عن إتمامها هجوم حمامه وانصرام أيّامه ، فرغب أهله في التنبيه على تكميل نقيصته واجتياز حسنته.
وتلقّانا مشرف المجبي بها الشيخ الفقير الخيّر أبو عبد الله اللّجائي [٦١٦] ، قريع الأمانة والفضل ، العف اليد ، الحصور عن مساس الجباية ، المتّصل الاستعمال باستصحاب الحال الرقيقة ، وسقوط التهمة من أهل الطلب والسذاجة وحسن العهد وكرم العشرة ، الجواد على كونه منينا [٦١٧] ما ، عدم العتاد في حال الكبرة. تلقّانا في جملة من أتباع الخدمة ، ثم تلاهم مركب القاضي والعدول ، وقاضيها الحاج أبو عبد الله محمد بن سعيد بن عثمان بن سعيد الصنهاجي الزّمّوري [٦١٨] ، رجل مختصر البنية والثواب قد طرقه الوخط على حداثة ، يحفظ غثاء من منقول كتب التفسير وغيرها ، ذاكر لمسائل متعدّدة ، مسترسل اللسان في أسلوب يفضحه الإعراب عادة لا جهلا بقانون
المغرب الأقصى. وكان مغرما بالعلوم والبناء وتوفي في عام ٧٥٩ ه وقيل مات قتيلا. راجع ترجمته وثورته على أبيه وأسبابها في (ابن خلدون : العبر ج ٧ ، ص ٢٧٨ ـ ٢٨٧ ؛ ابن الخطيب : اللمحة البدرية ص ٩٣ ـ ٩٥ ؛ أبن الأحمر : روضة النسرين ص ٢٣ ـ ٢٤)
[٦١٣] العرصة : ساحة الدار وجمعها عراص وأعراص وعرصات.
[٦١٤] العقوه : الساحة والمحلة وجمعها عقاء.
[٦١٥] هذه العبارة تدل على سعة دراية أهل المغرب بهندسة البناء في ذلك العصر.
[٦١٦] لعله من أسرة عبد الرحمن اللجائي (المتوفى ٧٧١ ه) الذي أدخل مختصر ابن الحاجب المصري في الفقه المالكي إلى المغرب. انظر (ابن القاضي : درة الحجال ، ج ٢ ، ص ٣٥٦ رقم ٩٨٦).
[٦١٧] المنين : الضعيف وجمعها منن.
[٦١٨] راجع ترجمته في (المقّري : نفح الطيب ج ٧ ، ص ٢٦١ ، أحمد بابا : نيل الابتهاج ص ٢٧٧ ، ابن القاضي : جذوة الاقتباس ص ١٤٨ ، انظر كذلك (ابن الأحمر : روضة النسرين ص ٧ من المقدمة.