تاريخ المدينة المنوّرة - ابن فرحون - الصفحة ١٨ - مقدمة المؤلف
آخرها» [١] ، لأنّه إذا تقدّم عن الجماعة وتركهم لم يسهل عليه تخليفهم ، وإن ذهب هو وهم إلى الصّفّ المتقدم قبل الصّلاة انقطع اشتغالهم ، وإن اشتغلوا فيه شوّشوا على المصلّين ، وإن تقدّموا بعد إقامة الصّلاة كان سعيهم من آخر المسجد إلى أوله عمل والإمام يصلّي ، وربما فاتتهم الركعة الأولى ، فأرخص لهم في ذلك.
ومما تترشح به مسألتنا ما ورد في «صحيح البخاري» في حديث الوليدة [٢] التي اتّهمت بالوشاح.
فقالت عائشة رضياللهعنها : كان لها خباء في المسجد ، أو حفش ، وهو البيت الصّغير.
وفي البخاريّ [٣] أنّه عليه الصّلاة والسّلام ضرب لسعد خيمة في المسجد ، حين أصيب يوم الخندق في أكحله ليعوده من قرب.
ومن ذلك أيضا بناء المقصورة في أيام عبد الملك ، والمتولّي على عمارتها عمر بن عبد العزيز ، فاقتطع لها قطعة من قبلة المسجد لمّا أراد حفظ والي المدينة من الغيلة.
وقد ذكر ابن رشد في «البيان والتحصيل» [٤] أنّ مروان بن الحكم فعل معه كما فعل مع عمر بن الخطاب رضياللهعنه ، فأراد اليماني قتله في صلاة الصبح ، فأمر بمقصورة يصلّي فيها ويتحصّن بها ، فلمّا دعت الضّرورة إلى قطع جانب المسجد جاز ذلك للحاجة إليه ، ثمّ لم تزل حتى احترقت بحريق المسجد في ليلة الجمعة أوّل شهر رمضان من سنة أربع وخمسين وستمائة ، ومنها بقيت أثرا إلى الآن [٥].
ومن ذلك بناء القبة التي في صحن المسجد الشريف ، عمّرها الإمام
[١] رواه مسلم في كتاب الصلاة ١ / ٣٢٦ (١٣٢).
[٢] انظر الحديث في كتاب الصلاة «باب نوم المرأة في المسجد» (٤٣٩).
[٣] كتاب الصلاة «باب الخيمة في المسجد للمرضى وغيرهم» (٤٦٣).
[٤] «البيان والتحصيل» ١ / ٢٩١.
[٥] يعني في عهد المؤلف.