تاريخ المدينة المنوّرة - ابن فرحون - الصفحة ١٤٤ - والتعريف بكشف أحوالهم ومناقبهم
في خدمة الحرم الشريف ، وقدموه عليهم في حفظ حواصلهم وأوقافهم ، ورأس بينهم رئاسة جليلة ودخل في جملة المؤذنين أصحاب المعلوم.
فلما كبر وأسن نزل عنه ، ولم يزل بين الخدام معظما محترما مشهورا بعفة اليد واللسان في إقامة طويلة بينهم وكان قد تأثل دنيا [١] ، فكان يرسل ما فضل عنه إلى إخوته في بلادهم غرناطة حتى إنه لما توفي لم يوجد له ما كان يتهم به من المال ، وأوقف كتبه وجعل مقرها في المدرسة الشهابية ، وأعتق عبيدا وإماء ، وقدم لنفسه ذخيرة صالحة بعتقه خادمه نجيبا أحد خدام الحرم الشريف اليوم ومن أميزهم عقلا ومعرفة وديانة ، وحصل له به ذكر جميل وخير كثير غير قليل.
وكان أبو عبد الله مجيدا في صنعة الدهان والتزويق ، فعمل في الحرم الشريف مع الدهانين وأثر تأثيرا حسنا ، كان لي منه ـ ; ـ نصيب وافر وودّ عظيم ومبادرة لقضاء حوائجي ، وكان يحضر معنا الدرس ويرعانا لما كان بينه وبين والدي جزاه الله خيرا. ولكن توفي ; في سنة أربع وخمسين وسبعمائة وله إحدى وثمانون سنة ولم يخلف عقبا.
وكان منهم الأخ في الله الشيخ علي بن معبد المصري [٢] الأصل الشهير بالقدسي المؤذن ، كان ـ ; ـ ملازما لوظيفة الأذان والإقامة يغيب الناس ولا يغيب ، قل أن تشغر وظيفته الإقامة على الدكة مدة حياته إن حضر أصحاب النوبة وإلا قام عنهم ، وكانت نوبته في المأذنة لا تختل أبدا في صيف ولا موسم ولا غير ذلك ، وكان ليلة نوبته لا يرقد إلا في المدرسة الشهابية ، وإذا كان أيام الصيف خرج عياله إلى نخلهم وأقام هو في المدينة رغبة في الصلاة في الجماعة ، وكان من حسن الخلق مع الديانة والصيانة ، وقلة الكلام في أعراض الناس ، في الذروة العليا والمقام الأسنى ، ورزق أولادا مباركين مؤذنين وبناتا مباركات ، وكان له عائلة كبيرة ولا يهتبل بحالهم ولا يهمه
[١] تأثل دنيا : يعني اكتسب وصار صاحب ثروة. انظر لسان العرب ، مادة : «أثل».
[٢] ترجمته في : «التحفة اللطيفة» ٢ / ٣٠٢ (٣٠٩٠).