تاريخ المدينة المنوّرة - ابن فرحون - الصفحة ١١٤ - والتعريف بكشف أحوالهم ومناقبهم
الدين قاضي مكة وكانا سراجي مكة هذا في فنه وهذا في فنه ، وقلّ أن يخلفهما مثلاهما فيما بقي من الدهر ، رحمهماالله تعالى.
ومن إخواننا المالكيين المكثرين من الإقامة في المدينة المحبين في هذا المقام الشريف ، أخونا في الله محمد بن سالم الفقيه الشافعي [١] كان أخا صادقا ذا ورع ودين وعلم واجتهاد في الصّلاة والصيام والقيام ، وكسب من الدنيا كثيرا لما كان يعاني من التسبب والحركة والسفر ، فلما انقطع من ذلك قلت عليه الدنيا فصبر وصابر على العبادة والتخلي عن أصحابه ومن كان يعرفه أيام يسره وشبابه ، له أحوال المشايخ الكبار مع طهارة اللسان والعرض في كل إنسان ولو أوذي حمل وصبر ، رأيته كثيرا ما يجعل في فيه حصاة تمنعه من الكلام خوفا من لسانه وصونا لفضول كلامه.
صحبته فوق ثلاثين سنة فلم أر كأنسه وكرمه ومحبته ، تراه يترك في أيام الموسم حوائجه وحوائج أهله ، ويتطلب أصحابه فينزلهم في منزله ويضيفهم ويبذل لهم الخدمة والطعام والماء البارد الحلو ، ويخلّي لهم داره التي هو فيها ، هذا دأبه مع كل معارفه ، حتى إنه ليذهب إليهم وهم في منازلهم فيرحّلهم إلى بيته ويعزم عليهم في ذلك ، وكان بشوشا ضحوكا مزاحا في حق ، ومتى جرى منه جفوة أو غيبة ذهب إلى ذلك الشخص وتحلل منه وسأله المغفرة له ، وخلف أولادا كان أنجبهم أوسطهم عبد الرحمن [٢] كان فيه من الحياء والأدب وقضاء الحوائج ما كان في والده وزيادة ، توفي ; سنة ست وستين وسبعمائة ، وأما والده فتوفي سنة أربع وستين فيما يغلب على ظني ، رحمهماالله تعالى.
وكان ممن رفع مكانته وشهر بين الناس منزلته محل الوالد الشيخ الفقيه الجليل العلامة السيد الشريف أبو الخير [٣] بن سيدنا وشيخنا أبي عبد الله الفاسي الحسني نزيل مكة المشرفة ، نشأ في عبادة الله تعالى وتبتل
[١] هو : أبو عبد الله محمد بن سالم بن إبراهيم بن علي الحضرمي الشافعي. ترجمته في : «التحفة اللطيفة» ٢ / ٤٧٧ (٣٧٦٨) ، نقلا عن ابن فرحون ؛ «العقد الثمين ٢ / ١٩ (١٧٨).
[٢] ترجمته في : «التحفة اللطيفة» ٢ / ١٤٩ (٢٥٢٣).
[٣] ترجمته في : «التحفة اللطيفة» ٢ / ٥١٦ (٣٩٢٧) ، «العقد الثمين» ٢ / ١١٢ (٢٦٦).