تاريخ المدينة المنوّرة - ابن فرحون - الصفحة ٢٤٩ - انعطاف على ما تقدّم من ذكر الأمير قاسم بن مهنا وذريته
كبير في مدح النبي ٦ ، وفي مدح غيره ، وله مجلدات من جمعه مشتملة على فوائد وغرائب.
وكان الشيخ الإمام العلامة حجة العرب ، وترجمان الأدب ، سراج الدين الدمنهوري قد جاور في المدينة في سنة خمس وأربعين وسبعمائة ، فكان إذا جلس في درس يقول للطلبة : إذا حضر الفقيه نور الدين فأحضروا معكم الدواة والورق ، حتى تقيدوا من فوائده ومن أشعاره واستشهاداته ، فكان كذلك.
وكان هذا الشيخ سراج الدين الدمنهوري من العلماء الأستاذين الذين انفردوا في زمانهم عن أقرانهم بعلوم جمة ، كالقراءات والعربية واللغة ، مع الفقه الغزير ، والمشاركة في كثير من العلوم ، ولكن كان في تلك العلوم في أعلا درجاتهم من الحفظ والذكر.
عرضت عليه شرحي وإعرابي «لبانت سعاد» ، المسمى ب (شفاء الفؤاد من بانت سعاد) ، فوجدته في مذاكرتي له بحرا زاخرا ، وكان أخي علي أحيانا يأتيه فيتعجب من حفظه وذكره ويقول لي : قلّ أن رأيت مثله. توفي ; في ثاني شهر ربيع الأول في سنة اثنتين وخمسين وسبعمائة.
وكان لأخي ميعاد وعظ يقرأ في كلّ جمعة بعد الصلاة على كرسي عال بالروضة المشرفة بصوت حسن وأداء حسن ، لا يمل السامع من قراءته بل يتلذذ بإطالته ، وكان وعظه من كلام ابن الجوزي في (التبصرة) ، فكان بعض الناس يقول : عاش ابن الجوزي للناس.
وكان ـ ; ـ هو أول من اتعظ بقوله وانتفع بوعظه ، فصار يلازم الصيام ويسرده ويقوم من الليل أكثره ، ورقّت نفسه ودرّت دمعته كأنه يقرب الأجل ، فبادر للعمل. كان ; يقول : والله ما ندمت على ما أفنيت فيه عمري من الاشتغال بعلم الأدب ، يا ليته كان في الكتاب والسنّة.
كان يرى لي أكثر ما يرى الولد لوالده في التعظيم والحباء والإكرام ، وأما الغيرة علي والانتصار لي ، واهتمامه بحالي وما يعرض لي من عدو شافي فلا يوصف قدره ، فلله دره ، وبلّ بالرحمة قبره.