تاريخ المدينة المنوّرة - ابن فرحون - الصفحة ٧٠ - والتعريف بكشف أحوالهم ومناقبهم
| ولرب ليل في الخطوب كوحلة | صابرته حتى ظفرت بفجره |
ومع ذلك فالخير كله في الحلم والصبر ، ودفع السيئة بالحسنة ، وفي تقوى الله جماع خيري الدنيا والآخرة. توفي الشيخ عز الدين ; في إحدى وأربعين وسبعمائة.
ثم سكن الحجرة مسكن الشيخ عز الدين أبو العباس أحمد بن محمد بن محمد بن أبي بكر مرزوق التلمساني [١] ; ، وكان من أحبابي الكبار ، وأصحابي الأخيار ، بل لم أصحب مثله في الناس ، ولم أرى مثله على قياس ، أقام بمكة قبل أن يأتي المدينة ، فلزم الطواف حتى زمن وأقعد.
فلمّا قدم المدينة لزمني ولزمته ، فمنّ عليه بالعافية ، وأول ما نزل نزل في بيتي ، وكان معه ولده الفقيه العلامة الخطيب المشهور اليوم في بلاد المغرب بالعلوم والفوائد ، والتصانيف والرئاسة ، وأحبّه الملوك وأحبته الرعية لما اشتمل عليه من المحاسن والعلوم ، ثم تسلّط عليه أعداء حساد ، فامتحن بهم ، ثمّ نجاه الله من كيدهم ، وحصل له أسوة بأهل الخير من السلف الصالح.
وكان قدومهم هذا إلى المدينة في عام ثمانية وعشرين وسبعمائة ، وكان الولد أبو عبد الله المذكور حينئذ لم يبلغ الحلم ، فاشتغل بالعلم حتى رجعا إلى بلدهما تلمسان ، فأقاما سنتين ثم رجعا إلى المدينة ، فأقام الشيخ ورجع ولده ، واستقرّ الشيخ في الحجرة المذكورة ، ثم انتقل إلى بيتي ، ثم اشترى نصف دويرة وسكنها حتى سافر إلى مكة ، ومات بها في سنة أربعين أو إحدى وأربعين وسبعمائة.
كان له من الكرامات والأحوال الجليلة العزيزة اليوم ما لا يحصر ولا يعدّ ، منها أنّه سلط عليه شخص من بلاده يقال له : عثمان بن المعذور ، كثير الشر يطلب منه كل حين النفقة ، ويشغب عليه وقته بكثرة التّردّد إليه ،
[١] ذكره السخاوي في : «التحفة اللطيفة» ١ / ١٤٤ (٢٢٩) ، نقلا عن ابن فرحون ؛ «الدرر الكامنة» ١ / ٢٩٩ (٧٥٤).