تاريخ المدينة المنوّرة - ابن فرحون - الصفحة ١١٧ - والتعريف بكشف أحوالهم ومناقبهم
موسى [١] بن علي المراكشي نفع الله به وبدعائه ، وإنما نبهت عليه لما خالطني من محبته واعتقاده ، ولما احتوى عليه من العلم والعمل والورع الكثير الذي هو من صفات الأولياء الكبار والمحققين من الأبدال ، أعانه الله على ما هو ملتزمه من الخير الكثير والدين المتين ، حتى إنه لا يتناول من الحلال إلا القوت الشظف اليسير ، لا يأكل في أرض الحجاز لحما ولا تمرا ولا سمنا ، وإنما يعمل له شيء يسير من الخبز بلا أدم في أكثر الأوقات ، وإن كان إدام في بعض الأوقات فلفت مسلوق ، وربما اكتفى المدة الطويلة بالحريرة من دقيق الشعير ليس لها إدام ، مع الصيام الدائم والقيام المستمر في صحته ومرضه إلا أن يمرض مرضا طويلا فحينئذ يفطر. وأما في العلم بمذهب مالك وغيره والأصول والفرائض وغير ذلك من العلوم فهو رحلة ، صحبته حضرا وسفرا فرأيته رجلا علم ما يطلب فهان عليه ما يجد ، وذلك مع نضارة الشباب وأنوار من مواهب الملك الوهاب نفع الله به ، وأكثر إقامته بالمدينة وهو الآن بمكة شرفها الله تعالى [٢].
وكان من شيوخنا وأصحاب والدنا الشيخ أبو عبد الله [٣] القبتوري من العلماء المتقنين من أهل الأندلس له علو سند في «الموطأ» و «الشفاء» ، وانقطع في المدينة مع أصحاب له ، كان ملازما للمسجد لا يرى إلا وحده ذاكرا أو مصليا. كان الشيخ أبو عبد الله محمد بن محمد بن محمد الغرناطي يحكي عنه مغربات في أفعاله وأقواله ، اشترى هو وأخو الشيخ أبي العلا وآخر معهما قطعة أرض في طريق البقيع جعلوها تربة لهم فدفنوا فيها ، وهي في طرف البقيع على طريق المار إلى مسجد الإجابة بين نخل يحفّها من جوانبها قد دثر رسمها ، وما أخوفني أن تملك وتغرس لأن العارف بها اليوم قليل ، ولو كانت على السبيل ، ولكن ببركة نياتهم يحفظون إن شاء الله تعالى
[١] هو : موسى بن علي بن عبد الصمد بن محمد المراكشي. ترجمته في : «العقد الثمين» ٧ / ٢٩٩ (٢٥٤٣).
[٢] ذكر الفاسي أنه توفي بمكة سنة تسع وثمانين وسبعمائة. المصدر السابق.
[٣] هو : خلف بن عبد العزيز بن خلف الغافقي القبتوري. ترجمته في : «التحفة اللطيفة» ١ / ٣٢٠ (١١٣٩) ، «الدرر الكامنة» ٢ / ٨٥ (١٦٥٢).