تاريخ المدينة المنوّرة - ابن فرحون - الصفحة ١٧٥ - والتعريف بكشف أحوالهم ومناقبهم
عظيم من آخر الليل إلى ضحوة النهار ، ثم انحدر ذلك السيل مع وادي الشظاة حتى حاذى جبل أحد ، وكادت تقارب حرة العريض ، وخاف الناس منها خوفا عظيما ووجلت القلوب ، ثم سكن قتيرها الذي يلي المدينة وطفيت مما يلي العريض بقدرة الله تعالى.
ورجعت تسير في الشرق ، واستمر عظمها وزيادتها في تلك الحرة وهي ترمي بشرر كالقصر وتأكل الأرض والحجارة.
وذكر جمال الدين المطري أن عزّ الدين سنجر [١] أخبره أن الأمير منيف بن شيحه بعثه يكشف خبرها ، فقرب منها ، فلم يجد لها حرا ولا ألما وراها تأكل الحجر دون الشجر [٢].
وذكر أنه وضع فيها سهما فوقع فيها النصل ولم يتغير العود ، وأنه أدار السهم فاحترق الريش فقط ، وقدر طول ذلك الوادي من النار بأربعة فراسخ وعرضه أربعة أميال ، وعمقه قامة ونصف قامة. وهو يجري على وجه الأرض ، وتخرج منها مهاد وجبال صغار فتسير على الأرض ، وهو صخر يذوب حتى يبقى مثل الآنك ، فإذا جمد صار أسود وقبل الجمود لونه أحمر ، وأما أمّ النار الكبيرة فهي جبال نيران حمر ، والأم الكبيرة التي سالت النيران منها من عند قريظة ، وكان ضؤها يرى بمكة المشرفة ، والشمس والقمر من يوم طلعت ما يطلعان إلا كاسفان.
قال العلامة أبو شامة : وظهر عندنا بدمشق أثر ذلك الكسوف من ضعف نورها على الحيطان ، وكنا حيارى من سبب ذلك ، إلى أن بلغنا الخبر عن هذه النار ، وكل من ذكر هذه النار يقول في آخر كلامه : ولا أقدر أشرح وصفها على الكمال.
وقال سنان في آخر كتابه : وما أقدر أصف عظمها ، وما فيها من الأهوال.
[١] ذكره في «التحفة اللطيفة» ١ / ٤٢٩ (١٦٧١) ، نقلا عن ابن فرحون.
[٢] قال المطري في «التعريف» ، ص ٦١ : «... وظهر لي معنى أنها كانت تأكل الحجر ، ولا تأكل الشجر ، أنها كذلك لتحريم سيدنا رسول الله ٦ شجر المدينة. فمنعت من أكل شجرها إكراما له لوجوب طاعته ٦ على كل مخلوق ...» انتهى.