تاريخ المدينة المنوّرة - ابن فرحون - الصفحة ١٧ - مقدمة المؤلف
وعن مالك ـ ; ـ أنه كان يقول : إذا ارتسم موضع من المسجد برجل فهو أحقّ به. وعلى هذا أكثر العلماء.
قال صاحب «الإقليد» : وممّا يدل على ذلك العامود المخلّق الآن في المسجد النّبويّ ، وعنده كان جلوس النبي ٦ ، ومن كان له موضع من المسجد معلوم يجوز أن يخرق الصّفوف إليه إذا تأخّر.
ونقل القاضي عياض في «المدارك» أنّ سحنون إمام المالكية في زمانه لمّا ولي القضاء ، وكثر عليه الناس ، أمر ببناء بيت في المسجد لنفسه يحكم فيه ، فكان لا يحضر عنده إلا الخصمين ، ومن يشهد بينهما.
وقال في «الإكمال» عند قوله ٦ : «إذا قام أحدكم من المسجد ، ثمّ رجع إليه فهو أحقّ به إذا قام لحاجة» : اختلف في معناه؟
فقال محمد بن مسلمة : يحمل الحديث على مجلس العالم إذا قام لحاجته ، فهو أحقّ به ، واختلف في من رسم من العلماء والقراء موضعا من المسجد للتدريس والفتيا.
فحكي عن مالك رحمة الله عليه : أنّه أحقّ به إذا عرف به.
قلت : وممّا يقوي ذلك ما كان في زمانه ٦ ، من أمر الصّفّة وأهلها ، واختصاصهم بها ، وكانت في أواخر المسجد.
وممّا يرسخ هذا وضع أزواجه ٦ ورضياللهعنهن أخبيتهن بالمسجد حين أردن الاعتكاف ، ولم ينكر عليهن ٦ وضعها ، وإنما خشي عليهن الغيرة التي بينهن من الحرص على القرب منه ، فلا تسلم لهن نية الاعتكاف.
فقال ٦ : «آلبرّ ترون بهنّ؟» [١] ، فمنعهن جميعهن.
ومما امتاز به العلماء ما نقله الشّيخ أبو الحسن اللخمي ، عن ابن حبيب ، قال : وأرخص مالك ـ رحمة الله عليه ـ للعالم [٢] إذا كان مجلسه في مؤخّر المسجد ، أو وسطه أن يصلّي في موضعه مع أصحابه وإن تقدّمتهم الصفوف.
قلت : وإنما قال ذلك مع قوله ٦ : «خير صفوف الرّجال أوّلها وشرّها
[١] أخرجه البخاري في الاعتكاف ، البخاري ٢ / ٦٦ «باب اعتكاف النساء» (٢٠٣٣).
[٢] في (ب): «العالم أو المدرس».