تفسير الأمثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٨٠
الغيب خاصّة بعلم الله ولا يطلع غيبه إلاّ من إرتضى من رسول وإمام وحسب ما تقتضيه المصلحة.
وعلى كلّ حال فإنّ قريشاً ومن أجل أن تشتّت الناس وتصرّفهم عن النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كانت تتّهمه ببعض التّهم، فتارةً تتّهمه بأنّه كاهن، وتارةً تتّهمه بأنّه مجنون، والعجب أنّها لم تقف على تضاد الوصفين، لأنّ الكهنة اُناس أذكياء والمجانين على خلافهم!! ولعلّ الجمع بين الإفترائين في الآية إشارة إلى هذا التناقض في الكلام من قبل القائلين.
ثمّ يذكر القرآن الإتّهام الثالث الذي يخالف الوصفين السابقين أيضاً فيقول: (
أم يقولون شاعر نتربّص به ريب المنون
).فطالما هو شاعر فعلينا أن نصبر، إذ أنّ لأشعاره رونقها وجاذبيتها، فإذا حلّ به الموت وإنطوت أشعاره كما ينطوي سجل عمره وأودعت في ضمير النسيان فسنكون حينئذ في راحة من أمره!!.
وكما يُفهم من كتب اللغة فإنّ «المنون» مشتقّ من المنّ، وهو على معنيين: النقصان و القطع، وهذان المعنيان أيضاً بينهما مفهوم جامع!
ثمّ استعملت كلمة «المنون» في الموت أيضاً، لأنّه ينقص العدد ويقطع المدد.
وقد يطلق «المنون» على مرور الزمان، وذلك لأنّه يوجب الموت ويقطع العلائق وينقص النفر، كما يطلق «المنون» على الليل والنهار أحياناً، ولعلّ ذلك للمناسبة ذاتها[١] \.
وأمّا كلمة (ريب) فأصلها الشكّ والتردّد والوهم في الشيء الذي تنكشف أستاره بعدئذ فتتضح حقيقته!
وهذا التعبير يستعمل في شأن الموت، فيقال «ريب المنون» لأنّ وقت
[١]ـ راجع «لسان العرب» و «المفردات للراغب» و «المنجد» و «تفسير القرطبي».