تفسير الأمثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٣
.. الذين كانوا اُمماً وأقواماً أشدّ من هؤلاء «وليفكّروا بعاقبتهم أيضاً» وهذا المعنى ورد مراراً في القرآن منها الآية ٨ من سورة الزخرف إذ نقرأ قوله تعالى: (
فأهلكنا أشدّ منهم بطشاً
).ويرى بعض المفسّرين أنّ الآية محلّ البحث تشير إلى «ثمود» هذه الطائفة التي كانت تسكن مناطق جبلية تدعى «بالحجر» وتقع شمال الحجاز، فكانت تقطنها وتنقّب في الجبال وتحفر صخورها فتصنع منها القصور الرائعة، غير أنّ ظاهر النصّ أنّ هذه الآية مفهومها واسع، فيشمل هؤلاء وغيرهم أيضاً.
أمّا جملة (
هل من محيص
) فيحتمل أن تكون سؤالا على لسان الكفّار السابقين حين أحدق بهم العذاب، فكانوا يسألون: هل من فرار ومحيص عنه، كما يحتمل أن يكون سؤالا من قبل الله للكفّار المعاصرين للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أي هل إستطاع مَن كان قبلكم من الكفرة الفرار من قبضة العذاب؟ أو هل يستطيع من يعاند النّبي أن يهرب من مثل هذا لو أحدق به؟!ويضيف القرآن في آخر آية من الآيات محل البحث مؤكّداً أكثر فيقول: (
إنّ في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد
).والمراد بـ «القلب» هنا وفي الآيات الاُخر من القرآن التي تتكلّم على إدراك المسائل هو العقل والشعور والإدراك، كما أنّ كتب اللغة تشير إلى أنّ واحداً من معاني القلب هو العقل، أمّا الراغب فقد فسّر القلب في الآية محلّ البحث بالعلم والفهم، كما نقرأ في لسان العرب أنّ القلب قد يطلق على العقل أيضاً(١).
كما ورد في تفسير عن الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) لهذه الآية أنّه قال: إنّ القلب هو العقل(٢).
والجذر اللغوي لكلمة «قلب» في الأصل: التغيير والتحوّل، وإصطلاحاً معناه
[١]ـ لسان العرب مادّة القلب. [ق ل ب].
[٢]ـ اُصول الكافي، ج١ ـ كتاب العقل والجهل، الحديث ١١.