تفسير الأمثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٧٥
عالم الوجود.
وفي المرجلة الثانية يتحدّث سبحانه عن ضرورة عدم طغيان البشر في كلّ موازين الحياة، سواء كانت الفردية أو الإجتماعية.
وفي المرحلة الثالثة يؤكّد على مسألة الوزن بمعناها الخاصّ، ويأمر البشر أن يدقّقوا في قياس ووزن الأشياء في التعامل، وهذه أضيق الدوائر.
وبهذا الترتيب نلاحظ الروعة العظيمة للإنسجام في الآيات المباركة، حيث تسلسل المراتب وحسب الأهمية في مسألة الميزان والمقياس، والإنتقال بها من الدائرة الأوسع إلى الأقل فالأقل[١] \.
إنّ أهميّة الميزان في أي معنى كان عظيمة في حياة الإنسان بحيث إنّنا إذا حذفنا حتّى مصداق الميزان المحدود والصغير والذي يعني (المقياس) فإنّ الفوضى والإرتباك سوف تسود المجتمع البشري، فكيف بنا إذا ألغينا المفهوم الأوسع لهذه الكلمة، حيث ممّا لا شكّ فيه أنّ الإضطراب والفوضى ستكون بصورة أوسع وأشمل.
ويستفاد من بعض الرّوايات أنّ (الميزان): قد فسّر بوجود (الإمام)، وذلك لكون الوجود المبارك للإمام المعصوم هو وسيلة لقياس الحقّ من الباطل، ومعيار لتشخيص الحقائق وعامل مؤثّر في الهداية(٢). وهكذا في تفسير «الميزان» بالقرآن الكريم ناظر إلى هذا المعنى.
ونظراً إلى أنّ هذه الآيات تتحدّث عن النعم الإلهية، فإنّ وجود الميزان سواء في نظم العالم أجمع أو المجتمع الإنساني أو الروابط الإجتماعية أو مجال العمل
[١]ـ يقول الفخر الرازي في تفسيره لكلمة (الميزان) في الآية الاُولى: إنّها اسم (آلة) بمعنى وسيلة للقياس، وفي الآية الثانية جاء مصدراً (يعني الوزن)، وفي الآية الثالثة أتى مفعولا بمعنى (جنس الموزون).
[٢]ـ رُوي هذا الحديث في تفسير علي بن إبراهيم عن الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام) والحديث مفصّل وقد ذكر مضمونه هنا فقط (تفسير علي بن إبراهيم، ج٢، ص٣٤٣).