تفسير الأمثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٦
بحوث ١ ـ حقيقة الموت
يتصوّر أغلب الناس أنّ الموت أمر عدمي ومعناه الفناء، إلاّ أنّ هذه النظرة لا تنسجم مع ما ورد في القرآن المجيد وما تدلّ عليه الدلائل العقلية ولا توافقها أبداً.
فالموت في نظر القرآن أمر وجودي، وهو إنتقال وعبور من عالم إلى آخر، ولذلك عُبّر عن الموت في كثير من الآيات بـ «تُوفّي» ويعني تسلّم الروح وإستعادتها من الجسد بواسطة الملائكة.
والتعبير في الآيات المتقدّمة (
وجاءت سكرة الموت بالحقّ
) هو إشارة إلى هذا المعنى(١) أيضاً، وقد جاء في بعض الآيات التعبير عن الموت بالخلق: (الذي
خلق الموت والحياة
) (الملك ـ ٢).وهناك تعبيرات متعدّدة عن حقيقة الموت في الرّوايات الإسلامية، ففي رواية أنّ الإمام علي بن الحسين سئل: ما الموت؟ فقال (عليه السلام): «للمؤمن كنزع ثياب وسخة قملة وفكّ قيود وأغلال ثقيلة والإستبدال بأفخر ثياب وأطيبها روائح وأوطىء المراكب وآنس المنازل وللكافر كخلع ثياب فاخرة والنقل عن منازل أنيسة والإستبدال بأوسخ الثياب وأخشنها وأوحش المنازل وأعظم العذاب».
وسئل الإمام محمّد بن علي(عليه السلام) السؤال الآنف ذاته فقال: «هو النوم الذي يأتيكم كلّ ليلة إلاّ أنّه طويل مدّته لا ينتبه منه إلاّ يوم القيامة»[٢] \.
وقد قلنا في المباحث المتعلّقة بالبرزخ أنّ حالات الأشخاص متفاوتة في البرزخ، فبعضهم كأنّهم يغطّون في نوم عميق، وبعضهم «كالشهداء في سبيل الله
[١]ـ في المراد من الباء في كلمة بالحقّ هناك إحتمالات عديدة، فمنهم قال معناه التعدية والحقّ معناه الموت، ويكون معنى الجملة إنّ سكرات الموت لها واقعية أي أنّ السكرات تصحب معها الموت، وقيل أنّ الباء للملابسة، أي أنّ سكرات الموت تأتي مع الحقّ ..
[٢]ـ بحار الأنوار، ج٦، ص١٥٥ [ويظهر أنّ المراد من الإمام محمّد بن علي هو الإمام التاسع محمّد الجواد (عليه السلام)].