تفسير الأمثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣١
عالم جديد عليه مليء بالأسرار، خاصّة أنّ الإنسان ـ لحظة الموت ـ يكون عنده إدراك جديد وبصر حديد ـ فهو يلاحظ عدم إستقرار هذا العالم بعينيه ويرى الحوادث التي بعد الموت، وهنا تتملّكه حالة الرعب والإستيحاش من قرنه إلى قدمه فتراه سَكِراً وليس بسكر[١] \.
حتّى الأنبياء وأولياء الله الذين يواجهون حالة النزع والموت بإطمئنان كامل ينالهم من شدائد هذه الحالة نصيب، ويصابون ببعض العقبات في حالة الإنتقال، كما قد ورد في حالات إنتقال روح النّبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى بارئها عند اللحظات الأخيرة من عمره الشريف المبارك أنّه كان يدخل يده في إناء فيه ماء ويضعها على وجهه ويقول: (
لا إله إلاّ الله
) ثمّ يقول: (إنّ للموت سكرات
)[٢] \.وللإمام علي كلام بليغ يرسم لحظة الموت وسكراتها بعبارات حيّة بليغة إذ يقول: «إجتمعت عليهم سكرت الموت وحسرت الفوت ففترت لها أطرافهم وتغيّرت لها ألوانهم ثمّ إزداد الموت فيهم ولوجاً فحيل بين أحدهم ومنطقه وانّه لبيّن أهله ينظر ببصره ويسمع باُذنه على صحّة من عقله وبقاء من لبّه يفكّر فيم أفنى عمره؟ وفيم أذهب دهره؟ ويتذكّر أموالا جمعها أغمض في مطالبها وأخذها من مصرحاتها ومشتبهاتها قد لزمته تبعات جمعها وأشرف على فراقها تبقى لمن وراءه ينعمون فيها ويتمتّعون بها»[٣] \.
كما أنّ هذا المعلّم الكبير ينذر في مكان آخر البشرية فيقول: «إنّكم لو عاينتم ما قد عاين من مات منكم لجزعتم ووهلتم وسمعتم وأطعتم ولكن محجوب عنكم ما قد عاينوا وقريب ما يطرح الحجاب»[٤] \.
[١]ـ السَكر ـ على زنة المكر ـ معناه في الأصل سدّ طريق الماء، والسِكر ـ على زنة الفكر ـ معناه المحلّ المسدود، وحيث أنّ حالة الثمل تقع حاجزاً وسدّاً بين الإنسان وعقله فقد سمّيت بالسُكر على زنة الشُكر.
[٢]ـ روح المعاني، ج٩، ص١١٨.
[٣]ـ نهج البلاغة، الخطبة ١٠٩.
[٤]ـ نهج البلاغة، الخطبة ٢٠٠.