دراسات تاريخيّة من القرآن الكريم - محمد بيومي مهران - الصفحة ٨٤ - (٦) مقارنة بين القصص القرآني وروايات التوراة
ومنها (رابعا) أن التوراة قد حددت اسم من اشترى يوسف ووظيفته ، وأنه «فوطيفار خصي فرعون رئيس الشرطة» [١] وبدهي أن القرآن الكريم لم يفعل ذلك ، لأنه ـ كما قلنا من قبل ـ ليس كتاب حوادث وتواريخ ، وإنما قصصه للعبرة والعظة ، وإن لقّبه «بالعزيز» ، ولا شأن للقرآن بروايات المفسرين عن اسمه واسم ملك مصر في عهده واسم امرأة العزيز ، فتلك اجتهادات ، وفوق كل ذي علم عليم [٢].
وهنا لنا أن نتساءل عن وصف التوراة لفوطيفار بأنه «خصي فرعون [٣]»؟ وهل يتزوج الخصيان؟ والحق أنني لست أدرى كيف دار في خلد كاتب التوراة أن رئيس الشرطة المصري كان خصيا [٤]؟ أو لم يكن شافعا له في دحض هذه الفرية بأنه كان زوج أجمل سيدة في البلاد ، ولكن ما الحيلة وصاحب سفر التكوين ـ أول أسفار التوراة ـ يرى أن حاشية القصر كلها من الخصيان ، ومنهم رئيس السقاة ورئيس الخبازين [٥] ، وهو أمر ما اعتدناه في مصر الفراعنة ، وما حدثنا به تاريخها ، وإنما ذلك رأي يهود الأسر البابلي ، حين كتبوا توراتهم على ضفاف الفرات ، متأثرين بكل الحضارات القديمة التي شاهدوها ـ أو التي عاشوا في ظلالها ـ من ناحية ، وبحقدهم الأعمى على مصر من ناحية أخرى ، حتى أعماهم هذا الحقد عن حقائق التاريخ ، فجعلوا كل رجال البلاط المصري من الخصيان.
[١] تكوين ٣٩ : ١
[٢] تفسير الطبري ١٢ / ١٧٤ ـ ١٧٦ تفسير المنار ١٢ / ٢٧٢ ، تفسير ابن كثير ٤ / ١٧
[٣] تكوين ٣٩ : ١
[٤] من عجب أن هذه الأكاذيب قد انتقلت إلى بعض كتب التفسير (الطبري ١٢ / ١٧٥ ، القرطبي ٩ / ١٦٠) ، وان رفضتهما جمهرة المفسرين (تفسير البيضاوي ١ / ٤٩١ ، تفسير المنار ١٢ / ٢٧٢ ، تفسير الألوسي ١٢ / ٢٠٧ ، مؤتمر تفسير سورة يوسف ١ / ٤٣٤ ، ٥٠٣ ، ٥٠٤ ، قارن ١ / ٥٢٥ ، ٥٢٦ ، ٢ / ٨٧٣)
[٥] تكوين ٤٠ : ٢