دراسات تاريخيّة من القرآن الكريم - محمد بيومي مهران - الصفحة ٢٠٩ - (٢) الكعبة بعد إبراهيم واسماعيل
وقد عملت قريش على توفير الأمن في منطقة مكة ، وهو أمر ضروري في بيئة تغلي بالغارات وطلب الثأر ، حتى يكون البيت الحرام ملاذا للناس وأمنا ، وحتى يجد فيها من تضيق به الحياة ويتعرض لطلب الثأر ، الأمن والحماية ، ولعل هذا هو السبب في أن تحافظ قريش على حرمة الأشهر الحرم في موسم الحج ، حتى يأمن الناس فيه على أنفسهم وأموالهم.
ولم تكتف قريش بذلك ، وإنما عملت على توفير الماء والطعام للحجيج في منطقة يشح فيها الماء ، ويقل الطعام ، ومن ثم فقد قامت بحفر الآبار في منطقة مكة وأنشأت أماكن للسقاية ، ثم أوكلت سقاية الحاج إلى البطون القوية [١] ، وهكذا غدت سقاية الحج ـ بجانب عمارة البيت وسدانته ـ عملا يراه القوم في قمة مفاخرهم ، وإلى هذا يشير القرآن الكريم في قوله تعالى «أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ وَعِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجاهَدَ فِي سَبِيلِ اللهِ» [٢].
وكانت ضيافة الحجيج عملا لا يقل عن سقايتهم ، وقد أسندتها قريش إلى الأغنياء من رجالاتها ، لأن قدوم الحجاج من أماكن بعيدة من شبه الجزيرة العربية ، يصعب معه حمل الزاد ، ومن ثم فقد كانت الرفادة تكلف أصحابها الكثير من أموالهم ، بجانب ما تقدمه قريش لهم ، إلا أن هذا الأمر في الوقت ذاته ، قد أفاد قريشا كثيرا ، إذ كانت المؤاكلة في عرف العرب ، إنما هي عقد جوار وحلف ، فضلا عن أن الضيافة في ذاتها من أكبر ما يحمد الرجل عليه ، وهكذا كانت قريش بعملها هذا ، وكأنها تعقد حلفا مع كل القبائل العربية ، تحمي به تجارتها ، وتسبغ على رجالاتها نوعا
[١] ابن هشام ١ / ١٥٩ ـ ١٦٢
[٢] سورة التوبة : آية ١٩ ، وانظر : تفسير الطبري ١٤ / ١٦٨ ـ ١٧٣ ، تفسير ابن كثير ٣ / ٣٧٣ ـ ٣٧٤ ، الدرر المنثور في التفسير بالمأثور ٣ / ٢١٨ ، تفسير القرطبي ٨ / ٩١ ـ ٩٢ ، تفسير المنار ١٠ / ٢١٥ ـ ٢٢٠.