دراسات تاريخيّة من القرآن الكريم - محمد بيومي مهران - الصفحة ١٧٨ - (ج) قصة الذبيح والتضحية البشرية
التضحية بالطفل البكر عرفا جاريا لدى الكنعانيين في العصر العتيق ، وفي حفريات «جازر» دليل قاطع في هذا الصدد ، فقد وجدت بها عظام أطفال في حالة بلاء بين بين ، مودعة في أسس المنازل ، وقد احتفظ الفينيقيون بهذه العادة إلى عصور قريبة ، حتى روى «فيلون» أن من عادات القوم في حالات الأخطار العامة ، أن يضحوا بأعز أبنائهم لإبعاد الكوارث عن أنفسهم [١] ، وطبقا لرواية التوراة ، فإن المؤابيين إنما كانوا يفعلون كذلك ، وقد ضحى ملك مؤاب (ميشع) بابنه البكر لإلهه شمس ، لينقذه من قوات إسرائيل ويهوذا التي أحاطت به [٢]. هذا وقد تبيّن من مخلفات المدافن من «أم التار» في «أبو ظبي» أنها تضم العديد من الهياكل العظمية المتكدسة في المدفن المشترك ، ويدل وجود الهياكل العظيمة خارج الجدران الخارجية على ظاهرة التضحية البشرية التي تواكب مراسم الدفن ، حيث توضع جثث الأشخاص الذين يضحى بهم خارج المبنى الذي يضم جثة المتوفي [٣].
وهنا ـ فيما يبدو لي ـ تظهر أهمية قصة الذبيح إسماعيل عليهالسلام ، في التاريخ الإنساني ، إذ كتبت عليه ضريبة الفداء ، وهي في مفترق الطرق بين الهمجية التي كانت لا تتورع عن الذبائح البشرية ، وبين الإنسانية المهذبة التي لا تأبى الفداء بالحياة ، ولكنها تتورع عن ذبح الإنسان [٤] ، ولما كان الأنبياء هم الأسوة الحسنة التي يحتذى حذوها كافة الناس وخاصتهم ، فإن الله جلت قدرته أراد أن يجعل من خليله قدوة حسنة ، ومثلا أعلى ، لأرفع صور الإيمان وأجلها في تاريخ الإنسانية ، وفي الوقت
[١] ج. كونتنو : الحضارة الفينيقية ص ١٤٥
[٢] ملوك ثان ٣ : ٢٧
[٣] G.Bibby ,Looking for Delmun ,London ,٠٧٩١ ,P.٢١٢ وكذاK.Thorvidsen ,Kumal ,٢٦٩١ ,PP.٧١٢ ـ ٨١٢
[٤] عباس العقاد : الإسلام دعوة عالمية ص ٢١٨ ـ ٢١٩