دراسات تاريخيّة من القرآن الكريم - محمد بيومي مهران - الصفحة ١٥٧ - (٥) اسكان اسماعيل الحجاز
تلك أمور عادية تحدث في كل بيت تتعدد فيه الزوجات ، أيا كان هذا البيت ، وسواء أكان صاحب هذا البيت ملكا يحكم الناس ، أو زعيما تصفق له الملايين ، أو حتى فقيرا يكد ليله ونهاره من أجل لقمة العيش ، بل إن ذلك أمر ، عرفناه في بيوت أنبياء بني إسرائيل وملوكهم من بعد ، عرفناه في بيت يعقوب بين زوجاته الأربعة ، كما عرفنا آثاره في قصة يوسف عليهالسلام ، وعرفناه في بيت داود ، ممثلا في قصة أمنون وإبشالوم [١] ، وفي النزاع بين أدونيا وسليمان [٢] ، كما عرفناه في بيت سليمان بين نسائه الكثيرات ، بل إن قصة غيرة السيدة عائشة من السيدة خديجة ـ رضياللهعنهما ـ وقد انتقلت الأخيرة إلى جوار ربها الكريم ، أمر معروف.
ومن هنا فإن غيرة السيدة سارة ـ فيما أعتقد ـ ليست من خوارق العادات أو شواذ الأمور ، ومن ثم فإنّا لا نوافق رواية التوراة من أن «سارة رأت ابن هاجر المصرية الذي ولدته لإبراهيم يمزح ، فقالت لإبراهيم اطرد هذه الجارية وابنها» ، ذلك لأن العداوة بين المرأتين بدأت حتى قبل أن ترزق هاجر بوليدها ، وذلك حين أذلتهما سارة ، فهربت منها إلى الصحراء المقفرة ، ولم تعد إليها إلا بأمر ملاك الرب الذي بشرها بأنها ستلد ابنا تدعوه إسماعيل [٣].
وهكذا يبدو واضحا أن تعليل التوراة لطرد هاجر بأن إسماعيل كان يمزح يوم فطام إسحاق تعليل غير كاف ، ففي حديث البخاري أن إسماعيل كان رضيعا يوم أبعد هو وأمه إلى مكة ، ومحال أن يكون من رضيع مزح ولا غيره ، وإنما هي غيرة سارة من أن يكون لإبراهيم ولد من
[١] صموئيل ثان ١٣ : ١ ـ ٣٩
[٢] ملوك أول ١ : ٥ ـ ٥٣
[٣] تكوين ١٦ : ٥ ـ ١٥ ، ٢١ : ٩ ـ ١٠