دراسات تاريخيّة من القرآن الكريم - محمد بيومي مهران - الصفحة ٣١ - (٢) جمع القرآن في عهد أبي بكر
المستشرقين جميعا بهذه الدقة ، حتى ليقول «سير وليم موير» ، «والأرجح أن العالم كله ليس فيه كتاب غير القرآن ظل أربعة عشر قرنا كاملا بنص هذا مبلغ صفائه ودقته» [١].
ويعلق الاستاذ أبو زهرة على هذا العمل الجليل الذي اشترك فيه الشيخان ـ أبو بكر وعمر ـ وحمل عبأه زيد بن ثابت ، مع جمع من المهاجرين والأنصار ، بحقيقتين هامتين ، تدلان على إجماع الأمة كلها على حماية القرآن الكريم من التحريف والتغيير والتبديل ، وأنه مصون بصيانة الله سبحانه وتعالى له ، ومحفوظ بحفظه ، وإلهام المؤمنين بالقيام عليه وحياطته ، أما أولى الحقيقتين ، فهي أن عمل زيد هذا لم يكن كتابة مبتدأة ، ولكنه إعادة لمكتوب ، فقد كتب القرآن كله في عهد النبي ، (صلىاللهعليهوسلم) وعمل زيد الابتدائي هو البحث عما كتب عليه والتأكد من سلامته ، بشهادة اثنين على الرقعة التي توجد فيها الآية أو الآيتان أو الآيات ، وبحفظ زيد نفسه ، وبالحافظين من الصحابة ـ وقد كانوا الجم الغفير والعدد الكبير ـ فما كان لأحد أن يقول إن زيدا كتب من غير أصل مادي قائم ، بل إنه أخذ من أصل قائم ثابت مادي ، وأما الحقيقة الثانية ، فهي أن عمل زيد لم يكن عملا آحاديا ، بل كان عملا جماعيا من مشيخة صحابة رسول الله ، (صلىاللهعليهوسلم) ، فقد طلب أبو بكر إلى كل من عنده من القرآن شيء مكتوب أن يجيء به إلى زيد ، وإلى كل من يحفظ القرآن أن يدلي إليه بما يحفظه ، واجتمع لزيد من الرقاع والعظام وجريد النخل ورقيق الحجارة ، وكل ما كتب أصحاب رسول الله ، وعند ذلك بدأ زيد يرتبه ويوازنه ويستشهد عليه ، ولا يثبت آية إلا إذا اطمأن إلى اثباتها ، كما أوحيت إلى رسول الله ، واستمر الأمر كذلك ، حتى إذا ما أتمّ زيد ما
[١] محمد حسين هيكل : المرجع السابق ص ٣٢٣ ، وكذاSir William Muir, The Life of Mohammad and History of Islam, Edinburgh, ٣٢٩١