النهاية

النهاية - الشيخ الطوسي - الصفحة ٦

إليها الرحال و تعلق بها الآمال، و أصبحت مهبط رجال العلم و مهوى افئدتهم و قام فيها بناء صرح الإسلام، و كان الفضل في ذلك لشيخ الطائفة نفسه فقد بث في إعلام حوزته الروح العلمية، و غرس في قلوبهم بذور المعارف الإلهية، فحسروا للعلم عن سواعدهم و وصلوا فيه ليلهم بنهارهم عاكفين على دروسهم خائضين عباب العلم غائصين على أسراره موغلين في استبطان دخائله و استخراج مخبآته، و كيف لا يكونون كذلك و قد شرح اللّه للعلم و العمل صدورهم، و صقل أذهانهم و أرهف طباعهم فحموا و طيس العلم، و بان فضل النجف على ما سواها من المعاهد العلمية، و خلفوا الذكر الجميل على مر الدهور و الأعصار، أعلى اللّه في الفردوس درجاتهم.

تلك هي جامعة النجف العظمى التي شيد شيخ الطائفة ركنها الأساسي و وضع حجرها الأول، و قد تخرج منها خلال هذه القرون المتطاولة آلاف مؤلفة من أساطين الدين و أعاظم الفقهاء، و كبار الفلاسفة و نوابغ المتكلمين، و أفاضل المفسرين و أجلاء اللغويين، و غيرهم ممن خبروا العلوم الإسلامية بأنواعها و برعوا فيها أيما براعة، و ليس أدل على ذلك من آثارهم المهمة التي هي في طليعة التراث الإسلامي و لم تزل زاهية حتى هذا اليوم، يرتحل إليها رواد العلوم و المعارف من سائر الأقطار و القارات فيرتوون من مناهلها العذبة و عيونها الصافية (و المنهل العذب كثير الزحام) و قد استدل بعض الكتاب المحدثين على وجود الجامعة العلمية في النجف قبل هجرة شيخ الطائفة إليها، و ذلك اعتمادا على استجازة الشيخ أبي العباس النجاشي من الشيخ أبي عبد اللّه الخمري فقد قال في كتاب رجاله المطبوع ص ٥٠ عن كتاب «عمل السلطان» للبوشنجي ما لفظه: أجازنا بروايته أبو عبد اللّه الخمري الشيخ الصالح في مشهد مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام) سنة أربعمائة.

و هذا لا يكفي للتدليل فالنجف مشهد يقصد للزيارة فربما تلاقيا في النجف