النهاية - الشيخ الطوسي - الصفحة ١٢
أبي جعفر الطوسي (قدس اللّه روحه)، فحين وقعت عينه عليهم قال لهم:
لم تسكنوا إلى ما كنت أوقفتكم عليه في كتاب (النهاية) حتى سمعتم من لفظ مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام)، فتعجبوا من قوله و سألوه عما استقبلهم به من ذلك، فقال: سنح لي أمير المؤمنين (عليه السلام) كما سنح لكم فأورد عليّ ما قاله لكم، و حكى رؤياه على وجهها و بهذا الكتاب يفتي الشيعة فقهاء آل محمد (عليهم السلام) و الحمد للّه وحده و صلى اللّه على محمد و آله الطاهرين انتهى. انتهى ما في مستدرك شيخنا النوري.
و هذه القضية وحدها كافية للتدليل على إخلاص شيخ الطائفة و صدق خدمته، و حسبه ذخرا يوم العرض شهادة أمير المؤمنين (عليه السلام): بأنه لم يقصد بتأليف الكتاب غير وجه اللّه. و لِمِثْلِ هٰذٰا فَلْيَعْمَلِ الْعٰامِلُونَ، إِنَّ اللّٰهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَ الَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ.
لقد طال بنا الكلام و خرجنا عما نحن بصدده فنعود الآن إلى ذكر مؤلفات الشيخ فنقول: إن في مؤلفات شيخ الطائفة ميزة خاصة لا توجد فيما عداها من مؤلفات السلف، و ذلك لأنها المنبع الأول و المصدر الوحيد لمعظم مؤلفي القرون الوسطى، حيث استقوا منها مادتهم و كونوا كتبهم، و لأنها حوت خلاصة الكتب المذهبية القديمة و أصول الأصحاب، فقد مر عليك عند ذكر هجرة الشيخ إلى النجف الأشرف أن مكتبة سابور في الكرخ كانت تحتضن الكتب القديمة الصحيحة التي هي بخطوط مؤلفيها أو بلاغاتهم، و قد صارت كافة تلك الكتب طعمة للنار كما ذكرناه، و لم نفقد بذلك- و الحمد للّه- سوى أعيانها الشخصية و هيئاتها التركيبية الموجودة في الخارج، و أما محتوياتها و موادها الأصلية فهي باقية على حالها دون زيادة حرف و لا نقيصة حرف، لوجودها في المجاميع القديمة التي جمعت فيها مواد تلك الأصول قبل تاريخ إحراق المكتبة بسنين كثيرة، حيث ألف جمع من أعاظم العلماء كتبا متنوعة، و استخرجوا جميع ما في كتبهم من تلك الأصول و غيرها مما كان في المكتبات الأخرى، و تلك الكتب التي ألفت عن تلك الأصول موجودة بعينها حتى هذا اليوم،