النهاية - الشيخ الطوسي - الصفحة ١٣
و أكثر أولئك استفادة من تلك المكتبة و غيرها شيخ الطائفة الطوسي- (رحمه اللّه) عليه- لأنها كانت تحت يده و في تصرفه، و هو زعيم الشيعة و مقدمهم يومذاك، فلم يدع كتابا فيها إلا و عمد إلى مراجعته و استخراج ما يخص مواضيعه منه.
و هناك مكتبة أخرى كانت في متناول يده، و هي مكتبة أستاذه السيد المرتضى الذي صحبه ثماني و عشرين سنة، و كانت تشتمل على ثمانين ألف كتاب سوى ما أهدي منها إلى الرؤساء كما صرح به كل من ترجم له، و ذلك أحد وجوه تلقيبه بالثمانيني.
نعم كان شيخ الطائفة متمكنا من هاتين الخزانتين العظيمتين، و كأن اللّه ألهمه الأخذ بحظه منهما قبل فوات الفرصة، فقد اغتنمها أجزل اللّه أجره، و غربل كوم الكتب فأخذ منها حاجته و ظفر فيها بضالته المنشودة، و ألف كتابيه الجليلين (التهذيب) و (الاستبصار) اللذين هما من الكتب الأربعة، و المجاميع الحديثية التي عليها مدار استنباط الأحكام الشرعية عند الفقهاء الاثني عشرية منذ عصر مؤلفه حتى اليوم، و ألف أيضا غيرهما من مهام الأسفار قبل أن يحدث شيء مما ذكرنا، و كذا غيره من الحجج فقد أجهدوا نفوسهم و تفننوا في حفظ تراث آل محمد عليه و (عليهم السلام)، فكان لهم بحمد اللّه ما أرادوا.
و هكذا استقى شيخ الطائفة مادة مؤلفاته من تصانيف القدماء، و كتب في كافة العلوم من الفقه و أصوله، و الكلام و التفسير، و الحديث و الرجال، و الأدعية و العبادات، و غيرها، و كانت و لم تزل مؤلفاته في كل علم من العلوم مئاخذ علوم الدين بأنوارها يستضيئون و منها يقتبسون و عليها يعتمدون و لهذه الناحية فان لشيخ الطائفة على الشيعة حقا لا ينكر و فضلا لا يستر، على أن جمعا من علماء الشيعة القدماء عملوا ما عمله، فان الشيخين الكليني و الصدوق ألفا (الكافي) و (من لا يحضره الفقيه) اللذين هما من الكتب