المحلى بالآثار - ابن حزم - الصفحة ٢٧٠
من أصحابنا قال: جاء النص بالحد على قذف النساء وصح الاجماع بحد من قذف رجلا والاجماع حق وأصل من أصولنا التي نعتمد عليها وقد افترض الله تعالى علينا اتباع الاجماع والاجماع ليس الا عن توقيف من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال بعض أصحابنا: بل نص الآية عام للرجال والنساء وانما أراد الله تعالى النفوس المحصنات قالوا وبرهان هذا القول ودليل صحته قول الله تعالى في مكان آخر: (والمحصنات من النساء) قالوا فلو كانت لفظة المحصنات لا تقع الا على النساء لما كان لقول الله تعالى: (من النساء) معنى وحاش لله من هذا فصح أن المحصنات يقع على النساء والرجال فبين الله تعالى مراده هنالك بأن قال من النساء واجمل الامر في آية القذف إجمالا قالوا (فان قال قائل): ان قوله تعالى: (من النساء) كقوله تعالى: (وغرابيب سود) و (عشرة كاملة) (قلنا): لا يجوز أن يحمل كلام الله تعالى على تكرار لا فائدة أخرى فيه إلا بنص قرآن. أو سنة. أو اجماع وليس معكم شئ من هذا في دعواكم ان قوله تعالى: (من النساء) تكرار لا فائدة فيه * قال أبو محمد رحمه الله: وهذا جواب حسن، وأما الاول فلا نقول به لانه حتى لو صح الاجماع على وجوب الحد على قاذف الرجل لما كان في الآية احتجاج وايجابنا الحد على قاذف العبد وقاذف الكافرة لانه لا اجماع على ذلك، وأما جوابنا الذي نعتمد عليه ونقطع على صحته وانه مراد الله تعالى بالبرهان الواضع فهو أن الله تعالى إنما أراد بقوله: (والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء) الفروج المحصنات، برهان ذلك أن الاربعة الشهود المذكورين لا يختلف اثنان من الامة في أن شهادتهم التي يكلفونها هي أن يشهدوا بأنهم رأوا فرجه في فرجها والجا خارجا والاجماع قد صح بأن ما عدا هذه الشهادة ليست شهادة بزنا ولا يبرأ بها القاذف من الحد فصح أن الرمي المذكور إنما هو للفروج فقط، وأيضا برهان آخر كما روينا من طريق مسلم نا اسحق بن ابراهيم - هو ابن راهويه - انا عبد الرزاق نا معمر عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس قال: ما رأيت أشبه باللمم مما قال أبو هريرة فان النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ان الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا أدرك ذلك لا محالة فزنا العينين النظر وزنا اللسان النطق والنفس تمني و وتشتهي والفرج يصدق ذلك أو يكذبه " * قال أبو محمد رحمه الله: فلم يجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وسلم الزنا الا للفرج فقط وأبطله عن جميع أعضاء الجسم أولها عن آخرها الا أن يصدقه فيها الفرج فصح يقينا أن النفس والقلب وجميع أعضاء الجسد حاش الفرج لا رمي فيها ولا قذف أصلا وأنه لا رمي الا للفروج