المحلى بالآثار - ابن حزم - الصفحة ١٤٨
في مراعاة الاختلاف انما هو أن تكون الشهادة على عمل واحد فقط وإذا اختلفوا في المكان أو الزمان أو المقذوف أو المزني بها أو المسروق منه أو الشئ المسروق فلم يشهدوا على عمل واحد قلنا: من أين وقع لكم أن تكون الشهادة في كل ذلك على عمل واحد وأي قرآن أو سنة أو اجماع أوجب ذلك؟ وأي نظر أوجبه؟ وهذا ما لا سبيل إلى وجوده بل الغرض اثبات الزنا المحرم والفذف المحرم والسرقة المحرمة والشرب المحرم والكفر المحرم فقط ولا مزيد، وبيان ذلك قول الله تعالى: (والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا باربعة شهداء) الآية، فصح بهذه الآية أن الواجب انما هو اثبات الزنا فقط وهو الذي رماها به ولا معنى لذكره التي رماها ولا سكوته عنه فليس عليه أن يأتي بأكثر من أربعة شهداء على ان الذي رماها به من الزنا حق ولا نبالي عملا واحدا كان أو اربعة أعمال لان كل ذلك زنا، وكذلك ان شهد عليه بالقذف لمحصنة فقد ثبت عليه بالقرآن ثمانون جلدة ولم يحد الله تعالى أن يكون في الشهادة ذكر الزمان ولا ذكر المكان فالزيادة لهذا باطل بيقين لان الله تعالى لم يأمر به ولا بمراعاته، وكذلك قال الله تعالى: (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما) فحسبنا، وصحة الشهادة بانها سارقة أو أنه سارق، ولم نجد الله تعالى ذكر الزمان أو المكان أو المسروق منه أو الشئ المسروق فمراعاة ذلك باطل بيقين لا شك فيه، وهكذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إذا شرب الخمر فاجلدوه " فاوجب الجلد بشرب الخمر فإذا صحت الشهادة بشرب الخمر فقد وجب الحد بنص أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك ولا معنى لمراعاة ذكر مكان أو زمان أو صفة الخمر أوصفة الاناء إذ لم يأت نص بذلك عن الله تعالى ولا عن رسوله صلى الله عليه وسلم وسلم فمراعاة ذلك باطل بلا شك، والحمد لله رب العالمين * قال أبو محمد: وقد جاء نحو ذلك عن السلف كما حدثنا عبد بن ربيع حدثنا ابن مفرج حدثنا قاسم بن اصبغ حدثنا ابن وضاح حدثنا سحنون حدثنا ابن وهب أنا السري بن يحيى قال: حدثنا الحسن البصري قال: شهد الجارود على قدامة بن مظعون أنه شرب الخمر - وكان عمر قد أمر قدامة على البحرين - فقال عمر للجارود: من يشهد معك؟ قال: علقمة الخصي فدعا علقمة فقال له عمر بم تشهد؟ فقال علقمة وهل تجوز شهادة الخصي قال عمر: وما يمنعه أن تجوز شهادته إذا كان مسلما قال علقمة: رأيته يقئ الخمر في طست قال عمر: فلا وربك ماقاءها حتى شربها فأمر به فجلد الحد فهذا حكم عمر بحضرة الصحابة رضي الله عنهم لايعرف له منهم مخالف في إقامة