المحلى بالآثار - ابن حزم - الصفحة ١٧٠
القود إن أمر بذلك * برهان ذلك قول الله تعالى: (قد جعل الله لكل شئ قدرا) فعلمنا يقينا أن لضرب الحدود قدرا لا يتجاوزه وقدرا لا ينحط عنه بنص القرآن فطلبنا ذلك فوجدنا أدنى أقداره أن يؤلم فما نقص عن الالم فليس من أقداره وهذا مالا خلاف فيه من أحد وكان أعلى أقداره نهاية الالم في الزنا مع السلامة من كل ما ذكرنا ثم الحطيطة من الالم على حسب ما وصفنا، فأما المنع من كل ما ذكرنا فلقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم وأبشاركم عليكم حرام " فحرمت إسالة الدم نصا إذ هرق الدم حرام الا ما أباحه نص أو اجماع ولا نص ولا اجماع على اباحة اسالة الدم في شئ من الحدود نعم ولا عن أحد من التابعين، وأما تعفن اللحم فقد نص رسول الله صلى الله عليه وآله على تحريم البشرة فلا يحل منها الا ما أحله نص أو اجماع وانما صح النص والاجماع على اباحتها للالم فقط وأما كسر العظام فلا يقول باباحته في ضرب الحدود احد من الامة بلا شك * قال أبو محمد رحمه الله: ومن خالفنا في هذه الاشياء سألناه الشدة الضرب في ذلك حد أم لا؟ (فان قالوا): لا تركوا قولهم وخالفوا الاجماع ولزمهم أن يبيحوا أن يجلد في كل ذلك بسوط مملوء حديدا أو رصاصا يقتل من ضربه وهذا لا يقوله أحد من الامة (وان قالوا): ان لذلك حدا وقدرا نقف عنده فلا يحل تجاوزه سئلوا عن ذلك فان حدوا فيه غير ما حددنا كانوا متحكمين في الدين بلا برهان، (فان قالوا): ان الحدود انما جعلت للردع (قلنا لهم): كلا ما ذلك كما تقولون انما ردع الله تعالى بالتحريم وبالوعيد في الآخرة فقط واما بالحدود فانما جعل الله تعالى كما شاء ولم يخبرنا الله تعالى انها للردع ولو كانت للردع كما تدعون لكان ألف سوط أردع من مائة ومن ثمانين. ومن أربعين ومن خمسين، ولكان قطع اليدين والرجلين اردع من قطع يد واحدة ولكنا نقول: هي نكال وعقوبة وعذاب وجزاء وخزي كما قال الله تعالى في المحاربة: (انما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون) الآية. وقال تعالى: (فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب) وقال تعالى في القاذف: (ان الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا) الآية وقال تعالى: (والسارق والسارقة) الآية وقال تعالى: (الزانية والزاني) الآية وانما التسمية في الدين إلى الله تعالى لا إلى الناس فصح أنه تعالى جعلها كما شاء حيث شاء ولم يجعلها حيث لم يشأ * قال أبو محمد رحمه الله: فإذ قد صح ما ذكرنا. وصح مقدار الضرب الذي لا يتجاوز فقد صح أن من تجاوز ذلك المقدار فانه متعد لحدود الله تعالى وهو عاص بذلك ولا