المحلى بالآثار - ابن حزم - الصفحة ١٥٠
ذلك وأنه على الحقيقة يظن أنه لم يسرق وليس في هذا تلقين له ولا دليل على أن الستر أفضل فبطل تعلقهم بهذا الخبر جملة * وأما حديث مسلم في الاجهاد فلا حجة فيه لوجهين، أحدهما أنه من رواية محمد بن عبد الله بن أخي الزهري وهو ضعيف، والثاني أنه لو صح لما كانت لهم فيه حجة أصلا لان الاجهاد المذكور انما هو ما ذكره المرء مفتخرا به لانه ليس في هذا الخبر انه يخبر به الامام معترفا ليقام عليه كتاب الله تعالى وانما فيه ذم المجاهرة بالمعصية وهذا لا شك فيه حرام، ثم نظرنا في حديث مسلم الذي رواه ابن شهاب عن أبي سلمة. وسعيد بن المسيب عن أبي هريرة " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعرض عن المعترف مرات " فوجدناه صحيحا لا داخلة فيه لاحد الا أنه لا حجة لهم فيه لان الناس في سبب اعراض رسول الله صلى الله عليه وآله عنه على قولين فطائفة قالت: انما أعرض عنه لان الاقرار بالزنا لا يتم الا بتمام أربع مرات، وطائفة قالت: انما أعرض عنه عليه السلام لانه ظن أن به جنونا أو شرب خمر ولم يقل أحد من الامة ان الحاكم إذا ثبت عنده الاقرار بالحد جاز له أن يستره ولا يقيمه فبطل تعلقهم بهذا الخبر وسنستقصي الكلام في تصحيح أحد هذين الوجهين بعد هذا ان شاء الله تعالى * قال أبو محمد: فلم يبق [١] لهذه الطائفة خبر يتعلقون به أصلا، ثم نظرنا [٢] فيما روي في ذلك عن الصحابة رضي الله عنهم فوجدناه أيضا لا يصح منه شئ أما الرواية عن أبي بكر. وعمر رضي الله عنهما في قولهما للاسلمي: استتر بستر الله فلا تصح لانها عن سعيد بن السميب مرسلة، وكذلك حديث ابراهيم بن طهمان عن موسى بن عقبة عن عبد الله بن يزيد عن محمد بن عبد الرحمن أن أبا بكر فهو مرسل * قال أبو محمد: ثم نظرنا فيما احتجت به طائفة الاخرى فوجدنا الرواية عن الصحابة أن الطائفة منهم قالت: ما توبة أفضل من توبة ماعز جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فوضع يده في يده وقال: اقتلني بالحجارة، فصح هذا من قول طائفة عظيمة من الصحابة رضي الله عنهم بل لو قلنا: انه لا مخالف لهذه الطائفة من الصحابة رضي الله عنهم لصدقنا لان الطائفة الاخرى لم تخالفها وانما قالت: لقد هلك ماعز لقد أحاطت به خطيئته فانما أنكروا أمر الخطيئة لا أمر الاعتراف فوجدنا تفضيل الاعتراف لم يصح عن احد من الصحابة رضي الله عنهم خلافه * ثم نظرنا فيما احتجوا به من الآثار فوجدناها في غاية الصحة والبيان لان رسول الله صلى الله عليه وسلم حمد توبة ماعز
[١] في النسخة اليمنية فلما لم يبق
[٢] في النسخة اليمنية أصلا نظرنا