تاريخ الغيبة - الصدر، السيد محمد - الصفحة ٤٢٧ - الأطروحة الثانية
الكمال بالتضرع الى اللّه تعالى و العمل الاختياري في التقرب إليه عز و جل.
و منها: قوله تعالى: «وَ نادى نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ: رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَ إِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَ أَنْتَ أَحْكَمُ الْحاكِمِينَ. قالَ: يا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ، فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ. إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ. قالَ: رَبِّ، إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْئَلَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ. وَ إِلَّا تَغْفِرْ لِي وَ تَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخاسِرِينَ» [١].
فانه لا شك ان نوح (عليه السلام) ازداد بعد وعظ اللّه عز و جل اياه و تعليمه له، ازداد كمالا عما كان عليه قبل ذلك، و اذ تنتج هذه الزيادة الجديدة، فانها تسير مع سائر التضحيات في سبيل الدعوة الالهية، بما فيها الاستغناء عن الولد، اذا كان عملا غير صالح، و عضوا فاسدا في التخطيط الالهي. و من هنا نسمعه يقول: «رب أعوذ بك أن أسألك ما ليس بك علم» ..
و منها قوله تعالى: «وَ إِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ. وَ إِذاً لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا. وَ لَوْ لا أَنْ ثَبَّتْناكَ، لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلًا، إِذاً لَأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ وَ ضِعْفَ الْمَماتِ، ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيراً» [٢].
فان الآية، و ان كانت دالة على ان النبي (ص) لم يركن، الى الكفار، و لم يقارب الركون اصلا، باعتبار جعل ذلك في جواب لو لا الامتناعية .. الا انها تدل- بكل وضوح-: ان عدم الركون ناشئ من التثبيت الالهي، ذلك التثبيت الذي ازداد به النبي (ص) كمالا الى كماله العظيم. و لو لا ذلك لكان الكمال السابق على التثبيت غير مانع من مقاربة الركون. و من هنا اقتضت مصلحة الدعوة الالهية، افاضة هذا التثبيت عليه (صلّى اللّه عليه و آله).
الى غير ذلك من الموارد و الآيات في القرآن الكريم.
و بذلك نستطيع- بكل وضوح- ان ننفي نقاط الضعف و الذنوب عن الأنبياء، كما يريد المنحرفون أن يفهموه من القرآن الكريم. فانه بعيد كل البعد
[١] هود: ١١/ ٤٦- ٤٧.
[٢] الاسراء: ١٧/ ٧٣- ٧٥.