تاريخ السنة النبوية - صائب عبد الحميد - الصفحة ٣٩ - المبحث الثاني الموقع التشريعي
يرون ـ أي في الجاهلية ـ أنّ العُمرة في أشهر الحجّ من أفجر الفجور في الاَرض. ويجعلون المحرّم صَفَراً[١] ، ويقولون: إذا برأ الدَبَر، وعفا الاَثر[٢] ، وانسلخ صفر، حلّت العُمرة لمن اعتمر.
فقدِم النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) وأصحابه صبيحة رابعة مهلّين بالحجّ، فأمرهم أن يجعلوها عمرة، فتعاظم ذلك عندهم! فقالوا: يا رسول الله! أيّ الحِلّ؟! قال: «الحِلُّ كلّه»[٣] .
وفي حديث البراء، قالوا: كيف نجعلها عمرة[٤] وقد أحرمنا بالحجّ؟! فقال لهم (صلى الله عليه وآله وسلم): «انظروا الذي آمركم به فافعلوه» فردّوا عليه القول، فغضب، ثمّ انطلق حتّى دخل على عائشة غضبان، فرأت الغضب في وجهه، فقالت: مَن أغضبك؟! أغضبه الله!
قال: «وما لي لا أغضب وأنا آمُر بالاَمر فلا أُتّبع؟!»[٥] .
فهل يصحّ أن يقال: كان هذا الخلاف والردّ على الرسول اجتهاداً، ولاَجل المصلحة التي رآها هؤلاء الصحابة؟!
[١] وهذا هو النسيء الذي كانوا يفعلونه، يؤخرّون المحرّم ويقدّمون مكانه صَفَراً ليحلّونه.
[٢] يريدون: إذا شفيت ظهور الاِبل من «الدبر» الذي يصيبها من أثر الحمل ومشقّة السفر، وذلك بعد الانصراف من الحجّ، وعنذئذٍ يكون أثر سيرها قد ذهب وامّحى من الطرق لطول المدّة.
[٣] صحيح البخاري /٢ ـ كتاب الحجّ ـ باب ٣٣ ح ١٤٨٩، صحيح مسلم/ ٣ ـ كتاب الحجّ ـ باب ٣١ ح ١٩٨ (١٢٤٠).
[٤] وفي لفظ البخاري عن جابر «متعة» بدل «عمرة». صحيح البخاري ح ١٤٩٣.
[٥] مسند أحمد ٤/٢٨٦، سنن ابن ماجة ح ٢٩٨٢، سير أعلام النبلاء ٨/٤٩٨ وقال الذهبي: هذا حديث صحيح من العوالي.