تاريخ السنة النبوية - صائب عبد الحميد - الصفحة ٣٤ - المبحث الثاني الموقع التشريعي

أمّا دعوى أنّ عثمان وعليّـاً لم يعطيا أحداً من هذا الصنف، فقد أُجيب عنها، بأنّها «لا تدلّ على ما ذهبوا إليه من سقوط سهم المؤلّفة قلوبهم، فقد يكون ذلك لعدم وجود الحاجة إلى أحد يتألّفوه آنذاك، وهذا لا ينافي ثبوته لمن احتاج إليه من الاَئمّة، على أنّ العمدة في الاستدلال هو الكتاب والسُـنّة، فهما المرجع الذي لا يجوز العدول عنه بحال»[١] .

وفسّر بعضهم رأي عمر بأنّه اجتهاد منه، إذ رأى أنّه ليس من المصلحة إعطاء هؤلاء بعد أن ثبت الاِسلام في أقوامهم، وأنّه لا ضرر يخشى من ارتدادهم عن الاِسلام.

وعلى هذا فلا يعدّ سهم المؤلّفة قلوبهم ساقطاً ليقال بمعارضة الكتاب والسُـنّة، وإنّما توقّف العمل به لانتفاء موضوعه، وإذا ما وجدت الحاجة إليه عاد للظهور في أيّ زمان ومكان.

وبهذا قال بعض فقهاء الجمهور[٢] ، وهو جيّد حين يكون تقدير الموضوع دقيقاً وحكيماً، فيكون حكمه حكم سهم (الرقاب) المخصّص لتحرير الرقيق، حين يمرّ على المسلمين عهد ليس فيهم رقيق يُطلب عتقهم، فسوف يتوقّف العمل بهذا السهم ولكن من غير أن يكون ذلك ناسخاً للحكم.

لكنّ السؤال ما زال قائماً: هل كانت علّة هذا الحكم هي ضعف الاِسلام وحاجته إلى قوّة هؤلاء، لا غير، لينتفي عند انتفاء علّته؟!

قال بعض فقهاء الجمهور: إنّ المقصود من دفعها إليهم ترغيبهم في


[١] سيّد سابق/ فقه السُـنّة ١/٣٤٣.

[٢] الدكتور وهبة الزحيلي/ الفقه الاِسلامي وأدلّته ٢/٨٧٢، محمّـد رشيد رضا/ المنار ١٠/٤٩٦ و ٤٩٧.