الحج رحلة في آفاق الروح - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٨٠ - جبهة على التراب وأخرى على زخرف الحياة
والحق أن لبس هذين الثوبين البسيطين يزيد الإنسان تواضعًا وانكسارًا، كما يجعل على مئات الألوف من الملبّين زيًّا واحدًا وهيئة واحدة، لكي يصبحوا سواسية كأسنان المشط، كما وصف النبي صلى الله عليه واله المسلمين بذلك، ولكيلا تميّزهم الميزات الدنيوية، ولا العناوين المادّية الزائفة.
فانظر الآن أيها القارئ الحبيب إن جماعة كثيرة أحرموا حينما أحرمنا وكان كل منهم يتزين بهيئة متميزة عن الآخر. فمثلًا، إني كنت معمّماً، ألفّ على رأسي من القماش، قدرًا مقدورًا، وألبس معها صاية رزينة أو جبّة فضفاضة، كما كنت أرتدي رداءً أسود. والآخر: مُكشَّد [١]، أي يلبس قلنسوة طويلة دائرية الشكل، حمراء اللون، قانية، يلف على وسطها قماشًا أخضر حينًا، وشالًا منبتًا برشًا أحيانًا، ويرتدي الرداء. والثالث يضع على رأسه (العقال) فوق كوفيّة بيضاء منبتة بالأسود غالبًا تستر الرأس كلّه والعنق والأذنين، وشيئًا من عظم اللحية. والرابع يكشف رأسه.
ولكن الكل يصبحون بهيئة واحدة حينما يلبّون الحق، فليس يسترهم سوى إزار ورداء في بساطة ومساواة، وقد حسرت
رؤوسهم واغبرّت وجوههم، لا يشتغلون بالألبسة عن خالقهم ولا بالتزيين عن أحكامه الصائبة.
٤ وبعد كل هذه الثلاثة، لبّينا داعي الحق بقلوب
[١] مشتق من الكشيدة، وهي اسم قلنسوة تُنسب إلى الشام، كما يُنسب العقال إلى الكوفة.