بوارق القهر في تفسير سورة الدّهر - الشريف الكاشاني، حبيب الله - الصفحة ١٥٥ - بوارق
حضيض البعد إلى أوج القرب ، لتصير مرآة الجذب وبلّورة الحبّ.
وكما أنّ الطائر إذا كان غذاؤه من الأرض أكثر قلّ طيرانه إلى الفوق ، وإذا كان غذاؤه من الهواء أكثر كان أشدّ ارتفاعا ، كذلك الإنسان إذا كان أشدّ اهتماما بالغداء الجسمانيّ المنجرم كان أقلّ طيرانا إلى أعالي القرب بالحقّ وأرافع الفوز بلذّات الصدق ، وإذا كان أشد اهتماما بتكميل النفس الّذي هو الغذاء الروحانيّ كان أكثر ارتفاعا إلى عوالم القدس ، ومقامات الانس بالحقّ في أعراش البهاء ، وكراسي الصفاء والعلاء :
|
يا خادم الجسم كم تسعى بخدمته |
|
أتطلب الربح فيما فيه خسران |
|
أقبل على النفس واستكمل فضائلها |
|
فأنت بالنفس لا بالجسم إنسان |
ولنا في ذلك المقام مطالب كثيرة شريفة لا يفهمها أكثر الناس لغفلتهم عن مقام تكميل النفس ، فإنّ الغافل عن مقام لا يدرك ما يترتّب عليه ؛ كما قال تعالى : (لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ) [١].
أي عن مقامات التكميل للنفس الناطقة الإنسانيّة على أنّ من الناس من لا يقدر على تحمّل بعض هذه المطالب وإلّا لفصّلت القول في أمثال تلك المطالب ، وكشفت السرّ عن بعض المذاهب :
|
گر نبودى خلق محجوب وكثيف |
|
گر نبودى حلقها تنك وضعيف |
|
در بيانش داد معنى دادمى |
|
غير ازين منطق لبى بگشادمى |
فمن علائم هؤلاء الأبرار هو بذل ما أتاهم من العلم والعرفان
[١]الأعراف : ١٧٩.