بوارق القهر في تفسير سورة الدّهر - الشريف الكاشاني، حبيب الله - الصفحة ٨٤
شكره قليل الشكر لاغتراره برحمة ربّه ، ولكنّه في حالة كفرانه كثير الكفران مبالغ في ذلك لغلبة جنود نفسه على جنود عقله ، وإن ذلك إلّا لكمال جهله وغفلته واغتراره باللذّة الفانية ؛ كما قال : (وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجانِبِهِ ...) [١] إلى آخره.
وقال : (إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولاً) [٢] أي : كثير الظلم على نفسه بالكفران ، وكثير الجهل بمقام الإيمان.
وقد خطر بالبال في ذلك الحال سرّ آخر للمقابلة في المقال ، وهو أنّ القليل من الكفران كثير في مقام الحقّ ، فإنّ في ذلك تجرّؤ العبد الذليل اللاشي على المولى الجليل القهّار ، وهذا أمر عظيم غاية العظم كما لا يخفى.
وأمّا الشكر وإن كثر من العبد فقليل بالنسبة إلى الحقّ تعالى ، كيف ونعماؤه تعالى على عباده بمرتبة لا يمكن لأحد منهم أن يستقصي شكر القليل منها ، فضلا عن الكثير ، كيف ونعماؤه علينا أكثر ممّا يتصوّره كلّ متصوّر ، ويتوهّمه كلّ متوهّم ؛ كما قال عليه السلام الحمد لله الّذي له في كلّ نفس من الأنفاس ، وخطرة من الخطرات منّا منه منن لا تحصى ، وفي كلّ لحظة من اللحظات نعم لا تنسى ، وفي كلّ حال من الحالات عائدة لا تخفى ... [٣] إلى آخره.
فكيف يمكن لنا شكر الحقّ على نعمائه الّتي أنعم بها علينا. كيف ولو اجتمع كلّ ما في الأرض والسماء لشكر نعمة حقيرة منه لما قدروا عليه ،
[١]الإسراء : ٨٣ ، فصّلت : ٥١.
[٢]الأحزاب : ٧٢.
[٣]البلد الأمين : ١٣٥.