نهاية الحكمة - العلامة الطباطبائي - الصفحة ٧٩ - الفصل السادس في حاجة الممكن إلى العلّه وأنّ علّة حاجته إلى العلّة هو الإمكان دون الحدوث
موضوعها ومحمولها [١] ، فإنّا إذا تصوّرنا الماهيّة بما أنّها ممكنةٌ تستوي نسبتُها إلى الوجود والعدم وتوقَّفَ ترجُحُ أحد الجانبين لها وتلبُسُها به على أمر وراء الماهيّة لم نلبث دون أن نصدّق به ، فإتّصاف الممكن بأحد الوصفين ـ أعني الوجودَ والعدمَ ـ متوقّفٌ على أمر وراءَ نفسه ، ونسمّيه : «العلّة» لا يرتاب فيه عقلٌ سليمٌ.
وأمّا تجويز اتّصافه ـ وهو ممكنٌ مستويُ النسبة إلى الطرفين ـ بأحدهما لا لنفسه ولا لأمر وراء نفسه فخروج عن الفطرة الإنسانيّة [٢].
وهل علّة حاجته إلى العلّة هي الإمكان أو الحدوث [٣]؟
قال جمعٌ من المتكلّمين [٤] بالثاني.
والحقّ هو الأوّل ، وبه قالت الحكماء ، واستدلّوا عليه [٥] بأنّ الماهيّة باعتبار وجودها ضروريّةُ الوجود وباعتبار عدمها ضروريّة العدم؛ وهاتان ضرورتان بشرط المحمول ، والضّرورة مناط الغنى عن العلّة والسبب.
والحدوث هو كون
[١] هكذا في المطالب العالية ج ١ ص ٨٣ ـ ٨٤ ، والأسفار ج ١ ص ٢٠٧ ، وشرح المواقفص ١٣٤ ، وشرح المنظومة ص ٧٠.
[٢] كما في الأسفار ج ١ ص ٢٠٨.
[٣] وقيل : «علّة الحاجة هي الإمكان مع الحدوث شطراً». وقيل : «إنّها الإمكان مع الحدوث شرطاً». راجع الأسفار ج ١ ص ٢٠٦ ، وشرح التجريد للقوشجيّ ص ٣٨ ، وكشف المراد ص ٥٣ ، وشرح المقاصد ج ١ ص ١٢٦ ، وغيرها. فالأقوال فيها أربعة. ذهب إلى كلٍّ منها طائفة ، قال ابن ميثم البحرانيّ في قواعد المرام في علم الكلام ص ٤٨ : «علّة حاجة الممكن إلى المؤثّر هي إمكانه ، وعند أبي هاشم هي الحدوث ، وعند أبي الحسين البصريّ هي المركّب منهما ، وعند الأشعريّ الإمكان بشرط الحدوث». وقريبٌ منه ما في إرشاد الطالبين ص ٧٩.
[٤] نسبه إليهم في شرح المقاصد ج ١ ص ١٢٧ ، وكشف الفوائد ص ٨. ونسبه الشيخ الرئيس إلى ضعفاء المتكلّمين في النجاة ص ٢١٣. ونسبه اللاهيجيّ إلى قدماء المتكلّمين في الشوارق ص ٨٩ ـ ٩٠ ، وكذا العلاّمّة في أنوار الملكوت ص ٥٨. ونسبه صدر المتألّهين إلى قوم من المتسمين بأهل النظر وأولياء التميّز في الأسفار ج ١ ص ٢٠٦. ونسبه ابن ميثم إلى أبي هاشم من المتكلّمين في قواعد المرام في علم الكلام ص ٤٨. فالمراد من قوله : «جمعٌ من المتكلّمين» هو قدماء المتكلّمين ، وأمّا المتأخّرين منهم فذهبوا إلى خلاف ذلك.
[٥] راجع شرح المنظومة ص ٧٢.