نهاية الحكمة - العلامة الطباطبائي - الصفحة ٣٥٧ - الفصل الثاني عشر في العناية والقضاء والقدر
وإذا اُخِذَ هذا المعنى حقيقيّاً بالتحليل غيرَ إعتباريّ ، إنطبق على الوجوب الذي يتلبّس به الموجودات الممكنة من حيث نسبتها إلى عللها التامّة ، فإنّ الشيء ما لم يجب لم يوجد ، وهذا الوجوب الغيريّ من حيث نسبته إلى العلّة التامّة إيجاب ، ولا شيء في سلسلة الوجود الإمكانيّ إلاّ وهو واجبٌ موجَب بالغير ، والعلل تنتهي إلى الواجب بالذات ، فهو العلّة الموجبة لها ولمعلولاتها.
وإذ كانت الموجودات الممكنة بما لها من النظام الأحسن في مرتبة وجوداتها العينيّة علماً فعليّاً للواجب (تعالى) ، فما فيها من الإيجاب قضاءٌ منه (تعالى). وفوقه العلم الذاتيّ منه المنكشف له به كلُّ شيء على ما هو عليه في الأعيان على التفصيل بنحو أعلى وأشرف.
فالقضاء قضاءان : قضاءٌ ذاتيٌّ خارجٌ من العالم ، وقضاءٌ فعليٌّ داخلٌ فيه.
ومن هنا يظهر ضَعْف ما نُسب إلى المشهور [١] أنّ القضاء هو ما عند المفارقات العقليّة من العلم بالموجودات الممكنة بما لها من النظام.
وكذا ما ذهب إليه صدر المتألّهين (رحمه الله) ، أنّ القضاء هو العلم الذاتيّ المتعلّق بتفاصيل الخلقة ، قال في الأسفار : «وأمّا القضاء فهو عندهم عبارة عن وجود الصور العقليّة لجميع الموجودات فائضة عنه (تعالى) على سبيل الإبداع دفعةً بلا زمان ، لكونها عندهم من جملة العالَم ومن أفعال الله المباينة ذواتها لذاته ، وعندنا صور علميّة لازمة لذاته بلا جعل ولا تأثير وتأثّر ، وليست من أجزاء العالَم ، إذ ليست لها حيثيّة عدميّة ولا إمكانات واقعيّة. فالقضاء الربانيّ وهو صورة علْمِ الله قديمٌ بالذات باق ببقاء الله» [٢] ـ إنتهى.
وينبغي أن يحمل قوله : «صور علميّة لازمة لذاته» على العلم الذاتيّ الذي لا ينفك عن الذات ، وإلاّ فلو كانت لازمة خارجة كانت من العالَم ولم تكن قديمة بالذات ـ كما صرّح بذلك ـ ؛ على أنّها لو كانت حضوريّةً إنطبقت على قول
[١] نُسب إليهم في الأسفار ج ٦ ص ٢٩١ ـ ٢٩٢.
[٢] راجع الأسفار ج ٦ ص ٢٩١ ـ ٢٩٢.