نهاية الحكمة - العلامة الطباطبائي - الصفحة ٣٦٩ - الفصل الرابع عشر في أنّ الواجب تعالى مبدأ لكلّ ممكن موجود
أجزائه ببعض في وجوده. فإفاضة واحد منها إنّما يتمّ بإفاضة الكلّ ، فليست الإفاضة إلاّ واحدة ينال كلّ منها ما في وسعه أن يناله.
وأمّا إنكار العلّيّة والمعلوليّة بين الأشياء ، فيكفي في دفعه ما تقدّم في مرحلة العلّة والمعلول من البرهان على ذلك [١]. على أنّه لو لم يكن بين الأشياء شيء من رابطة التأثير والتأثّر وكان ما نجده منها بين الأشياء باطلا لا حقيقة له ، لم يكن لنا سبيل إلى اثبات فاعل لها وراءها وهو الواجب الفاعل للكلّ.
وأمّا القول بالجبر وإنكار الإختيار في الأفعال ، بتقريب أنّ فاعليّة الواجب بالذات وتعلُّقَ إرادته بالفعل المسمّى إختياريّاً يجعل الفعل واجبَ التحقّق ضروريَّ الوقوع ، ولا معنى لكون الفعل الضروريّ الوجود إختياريّاً للإنسان له أن يفعل ويترك ، ولا لكون إرادته مؤثّرةً في الفعل.
يدفعه : أنّ فاعليّته (تعالى) طوليّةٌ ، لا تنافي فاعليّة غيره أيضاً إذا كانت طوليّة ، وإرادته إنّما تعلّقت بالفعل بوصف أنّه إختياريٌّ ، فأراد أن يفعل الإنسان باختياره وإرادته فعلا كذا وكذا ، فالفعل الإختياريّ واجب التحقّق بوصف أنّه إختياريٌّ.
واستدلّ بعضهم [٢] على الجبر في الأفعال بأنّ فعل المعصية معلوم للواجب (تعالى) فهو واجبُ التحقّق ضروريُّ الوقوع ، إذ لو لم يقع كان علمه جهلا ، وهو محال ، فالفعل ضروريٌّ ، ولا يجامع ضرورة الوقوع اختياريّة الفعل.
ويعارضه أنّ فعل المعصية معلوم للواجب (تعالى) بخصوصيّة وقوعه ، وهو أنّه صادرٌ عن الإنسان باختياره ، فهو بخصوصيّة كونه اختياريّاً واجبُ التحقّق ضروريُّ الوقوع ، إذ لو لم يقع كان علمه (تعالى) جهلا ، وهو محال ، فالفعل بما أنّه اختياريُّ ضروريُّ التحقّق.
[١] راجع الفصل الأوّل من المرحلة الثامنة.
[٢] أي بعض الأشاعرة ، راجع اللمع ص ٨١ ـ ٨٢.