نهاية الحكمة - العلامة الطباطبائي - الصفحة ٣٨٢ - الفصل العشرون في العالم العقليّ ونظامه وكيفيّة حصول الكثرة فيه
الوجود فهو علّة لما دونه وواسطة في الإيجاد وأنّ فيه أكثر من جهة واحدة ، يصحّ صدور الكثير منه ، لكنّ الجهات الكثيرة التي فيه لا تبلغ حدّاً يصحّ به صدور ما دون النشأة العقليّة بما فيه من الكثرة البالغة ، فمن الواجب أن يترتّب صدور العقول نزولا إلى حدّ يحصل فيه من الجهات عدد يكافئ الكثرة التي في النشأة التي بعد العقل.
وتتصورّ هذه الكثرة على أحد وجهين : إمّا طولا وإمّا عرضاً.
فالأوّل : ـ وهو حصول الكثرة طولا ـ أن يوجد عقل ثمّ عقل وهكذا.
وكلّما وجد عقل زادت جهة أو جهات ، حتّى ينتهي إلى عقل تتحقّق به جهات من الكثرة يفي بصدور النشأة التي بعد نشأة العقل ، فهناك أنواع متباينة من العقول ، كلّ منها منحصر في فرد ، وهي مترتّبة نزولا ، كلّ عال أشدّ وأشرف ممّا هو بعده وعلّة فاعلة تامّ الفاعليّة له ، لما أنّ إمكانه الذاتيّ كاف في صدوره ، وآخر هذه العقول علّة فاعلة للنشأة التي بعد نشأة العقل. وهذا الوجه هو الذي يميل إليه المشّاؤون [١] فيما صوّروه من العقول العشرة ونسبوا إلى آخرها المسمّى عندهم بـ «العقل الفعّال» إيجادَ عالم الطبيعة.
والثاني : ـ وهو حصول الكثرة عرضاً ـ بأن تنتهي العقول الطوليّة إلى عقول عرضيّة ، لا عليّة ولا معلوليّة بينها ، هي بحذاء الأنواع المادّيّة ، يدبرّ كلّ منها ما بحذائه من النوع المادّيّ ، وبها توجد الأنواع التي في عالم الطبيعة وينتظم نظامه ، وتسمّى هذه العقول : «أرباب الأنواع» و «المُثُل الأفلاطونيّة» [٢]. وهذا الوجه هو
[١] راجع الفصل الرابع والفصل الخامس من المقالة التاسعة من إلهيات الشفاء؛ والنجاة ص ٢٧٣ ـ ٢٧٨؛ والمبدأ والمعاد للشيخ الرئيس ص ٧٥ ـ ٨٢ ، ورسائل ابن سينا ص ٨٩.
[٢] قال صدر المتألّهين : «قد نُسب إلى أفلاطون الإلهيّ أنّه قال في كثير من أقاويله موافقاً لاُستاذه سُقراط : إنّ للموجودات صوراً مجرّدة في عالم الإله ، وربّما يسمّيها المُثل الإلهيّة وإنّها لا تدثر ولا تفسد ولكنها باقية ، وإنّ الذي يدثر ويفسد إنّما هي الموجودات التي هي كائنة» راجع الأسفار ج ٢ ص ٤٦ ، وراجع الملل والنحل ج ٢ ص ٨٨ ـ ٨٩.