نهاية الحكمة - العلامة الطباطبائي - الصفحة ٨٠ - الفصل السادس في حاجة الممكن إلى العلّه وأنّ علّة حاجته إلى العلّة هو الإمكان دون الحدوث
وجودُ الشيء بعدَ عدمِهِ؛ وإن شئت فقل : هو ترتُّبُ إحدَى الضرورتين على الاُخرى ، والضّرورة ـ كما عرفت ـ مناط الغنى عن السبب ، فما لم تعتبر الماهيّة بإمكانها لم يرتفع الغنى ولم تتحقّق الحاجة ، ولا تتحقّق الحاجة إلاّ بعلّتها وليس لها إلاّ الإمكان.
حجّةٌ اُخرى : الحدوث ـ وهو كون الوجود مسبوقاً بالعدم ـ صفةُ الوجود الخاص ، فهو مسبوقٌ بوجود المعلول لتقدُّمِ الموصوف على الصفة ، والوجود مسبوقٌ بايجاد العلّة ، والايجاد مسبوقٌ بوجوب المعلول ، ووجوبه مسبوقٌ بايجاب العلّة ـ على ما تقدّم [١] ـ ، وإيجاب العلّة مسبوقٌ بحاجة المعلول ، وحاجة المعلول مسبوقةٌ بإمكانه ، إذ لو لم يكن ممكناً لكان إمّا واجباً وإمّا ممتنعاً ، والوجوب والامتناع مناطُ الغنى عن العلّة؛ فلو كان الحدوث علّةً للحاجة والعلّةَ متقدّمةً على معلولها بالضّرورة لكان متقدّماً على نفسه بمراتب ، وهو محال [٢].
فالعلّة هي الامكان ، إذ لا يسبقها ممّا يصلح للعلّية غيره ، والحاجة تدور معه وجوداً وعدماً.
والحجّة تنفي كون الحدوث ممّا يتوقّف عليه الحاجة بجميع احتمالاته من كون الحدوث علّةً وحده ، وكون العلّة هي الإمكان والحدوث جميعاً ، وكون الحدوث علّةً والإمكان شرطاً ، وكَوْنِ الإمكان علّةً والحدوث شرطاً أو عدم الحدوث مانعاً.
وقد استدلّوا [٣] على نفي علّيّة الإمكان وحده للحاجة بأنّه لو كانت علّةُ الحاجة إلى العلّة هي الإمكان من دون الحدوث جاز أن يوجد القديم الزمانيّ ،
[١] في الفصل الخامس من هذه المرحلة.
[٢] هكذا في المباحث المشرقية ج ١ ص ١٣٥ ، وشرحي الإشارات ج ١ ص ٢١٩ ، وشرح الإشارات للمحقّق الطوسيّ ج ٣ ص ٧٥ ، والأسفار ج ١ ص ٢٠٧ وج ٣ ص ٢٥٢ ، والمحصّل ص ٥٤ ، وشرح المنظومة ص ٧٤. والوجه في استحالته هو الدور كما في كشف الفوائد ص ٨.
[٣] أي المتكلّمون.