سير اعلام النبلاء - ط الرساله - الذهبي، شمس الدين - الصفحة ١٢١
وَقَالَ فِي (التَّحْبِيرِ [١]) : كَانَ حَافِظاً كَبِيْراً، تَامّ المَعْرِفَة، يَحفظ جَمِيْع (صَحِيْح مُسْلِم) ، وَكَانَ يُمْلِي مِنْ حِفْظِهِ، قَدِمَ مرَّة مِنْ حجِّه، فَاسْتقبله الْخلق وَهُوَ عَلَى فَرَس يَسير بِسَيرهِم، فَلَمَّا قرب مِنْ أَصْبَهَان، ركضَ فَرَسَه، وَتركَ النَّاسَ، وَقَالَ: أَردتُ السُّنَّةَ: إِنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كَانَ يُوضِعُ رَاحِلَتَهُ إِذَا رَأَى جُدُرَ المَدِيْنَة [٢] .
وَكَانَ حُلو الشَّمَائِل، اسْتمليت عَلَيْهِ بِمَكَّةَ وَالمَدِيْنَة، وَكَتَبَ عَنِّي، قَالَ لِي مرَّة: أَوْقَفتُكَ، وَاعْتَذَرَ.
فَقُلْتُ: يَا سيدِي، الوُقُوْف عَلَى بَابِ المُحَدِّث عزّ.
فَقَالَ: لَكَ بِهَذِهِ الكَلِمَة إِسْنَاد [٣] ؟
قُلْتُ: لاَ.
قَالَ: أَنْتَ إِسْنَادهَا [٣] .
وَسَمِعْتُ إِسْمَاعِيْلَ بن مُحَمَّدٍ الحَافِظ يَقُوْلُ: رَحل أَبُو سَعْدٍ إِلَى أَبِي نَصْرٍ الزَّيْنَبِيّ، فَدَخَلَ بَغْدَاد وَقَدْ مَاتَ، فَجَعَلَ أَبُو سَعْدٍ يَلطم عَلَى رَأْسه، وَيَبْكِي، وَيَقُوْلُ: مِنْ أَيْنَ أَجد عَلِيّ بن الجَعْدِ، عَنْ شُعْبَةَ [٤] ؟!
وَقَالَ عَبْدُ اللهِ بنُ مَرْزُوْق الحَافِظُ: أَبُو سَعْدٍ بنُ البَغْدَادِيّ شعلَةُ نَار.
قَالَ السَّمْعَانِيُّ: وَسَمِعْتُ مَعْمَر بن الفَاخر يَقُوْلُ: أَبُو سَعْدٍ يَحفظ
[١] عزا المؤلف هنا قول السمعاني إلى " التحبير "، وعزاه في " تذكرة الحفاظ " إلى " معجمه " وهو الصواب، إذ لم يرد في المطبوع من " التحبير " بتحقيق منيرة ناجي سالم تراجم لمن اسمه أحمد.
[٢] أخرجه من حديث أنس بن مالك البخاري (١٨٠٢) و (١٨٨٦) وأحمد ٣ / ١٥٩ أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قدم من سفر، فنظر إلى جدرات المدينة أوضع راحلته، وإن كان على دابة حركها من حبها.
وقوله: يوضع هو، من أوضع البعير راكبه: إذا حمله على سرعة السير، وفي صحيح البخاري ٣ / ٤١٧ من حديث ابن عباس أنه دفع مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم عرفة، فسمع النبي صلى الله عليه وسلم وراءه زجرا شديدا وضربا للابل، فأشار بسوطه إليهم، وقال: أيها الناس عليكم بالسكينة فإن البرليس بالايضاع ".
[٣] في " تذكرة الحفاظ " ٤ / ١٢٨٥: أستاذ..أستاذها، وقد أشير في الحاشية أنه في نسخة أخرى كما هنا.
[٤] انظر " تذكرة الحفاظ " ٤ / ١٢٨٤.