سير اعلام النبلاء - ط الحديث - الذهبي، شمس الدين - الصفحة ١٢٨
حدَّ الخَمْر فِي كِتَاب الله، تَقُولُ: اضرِبُوْهُ بِالأَرديَة وَبَالأَيْدِي ثُمَّ بِالجَرِيد؟ [١] فَقُلْتُ أَنَا: إِنَّمَا حُدَّ قِيَاساً عَلَى حدِّ القَاذف، لأَنَّه إِذَا شرِبَ سَكِر، وَإِذَا سَكِرَ هَذَى، وَإِذَا هَذَى افترى، فَأَوجبَ عَلَيْهِ مَا يَؤُولُ إِلَيْهِ أَمرُه. قَالَ: أَوَلَمْ يقلْ رَسُوْلُ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "وَأَقْضَاكُمْ عَليّ.." فَسَاقَ لَهُ مُوْسَى تمَامَه وَهُوَ: "وَأَعْلَمُكُمْ بِالحَلاَلِ وَالحَرَام مُعَاذ، وَأَرْأَفُكُمْ أَبُو بَكْرٍ، وَأَشَدُّكُمْ فِي دِيْنِ اللهِ عُمَر" [٢]. قَالَ: كَيْفَ يَكُوْنُ أَشدَّهُم وَقَدْ هَرَبَ بِالرَّايَة يَوْم خَيْبَر؟ قَالَ: مُوْسَى: مَا سَمِعْنَا بِهَذَا. فَقُلْتُ: إنما تحيز إلى فئة فليس بفار.
وَقَالَ فِي: {لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا} [التَّوبَة: ٤٠] ، إِنَّمَا نَهَاهُ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَنْ حُزْنِه لأَنَّه كَانَ مسخوطاً. قُلْتُ: لَمْ يَكُنْ قَوْلُه إلَّا تَبْشِيْراً بِأَنَّهُ آمنٌ عَلَى رَسُوْلِ اللهِ وَعَلَى نَفْسه، فَقَالَ أَيْنَ نَظِيْرُ مَا قُلْتَ؟ قُلْتُ: قَوْلُهُ لِمُوْسَى وَهَارُوْن: {لاَ تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى} [طه: ٤٦] ، فَلَمْ يَكُنْ خَوْفُهُمَا مِنْ فِرْعَوْن خَوْفاً بِسخط الله.
ثُمَّ قَالَ: يَا أَهْل البلدَة: إِنَّكُم تبغضُون عَلِيّاً؟ قُلْتُ: عَلَى مُبْغِضِهِ لعنَةُ الله. فَقَالَ: صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ. قُلْتُ: نَعَمْ، وَرفعتُ صَوْتِي: صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لأَنَّ الصَّلاَةَ فِي خطَاب العَرَب الرَّحْمَةُ وَالدُّعَاء، قَالَ: أَلَمْ يقل رَسُوْلُ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُوْنَ مِنْ مُوْسَى"؟ قُلْتُ: نَعَمْ، إلَّا أَنَّهُ، قَالَ: "إلَّا أَنَّهُ لاَ نبي بعدي" [٣]. وهارون كان حجة في
[١] ورد ذلك من حديث أَنَسُ بنُ مَالِكٍ أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم- ضرب في الخمر بالجريد والنعال، وجلد أبو بكر أربعين" أخرجه البخاري "٦٧٧٣"، ومسلم "١٧٠٦" "٣٦" من طريق هشام، عن قتادة عن أنس، به واللفظ للبخاري.
[٢] ورد عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوْعاً: "أَرْحَمُ أُمَّتِي بِأُمَّتِي أَبُو بَكْرٍ، وَأَشَدُّهَا فِي دِيْنِ اللهِ عُمَرُ، وَأَصْدَقُهَا حياء عثمان، وأعلمها بالحلال والحرام معاذ بن جبل، وأقرؤها لكتاب الله أبي، وأعلمها بالفرائض زيد بن ثابت وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَمِيْنٌ، وَأَمِيْنُ هَذِهِ الأُمَّةِ أَبُو عبيدة ابن الجراح". أخرجه ابن أبي شيبة "١٢/ ٨"، وابن سعد "٣/ ٤٩٩ و٥٨٦" و"٧/ ٣٨٨"، وأحمد "٣/ ١٨٤"، والترمذي "٣٧٩١"، والنسائي في "الكبرى" "٨٢٨٧" وابن ماجه "١٥٤، ١٥٥"، وابن حبان "٢٢١٨" و"٢٢١٩"، والحاكم "٣/ ٤٢٢"، والطحاوي في "مشكل الآثار" "١/ ٣٥١"، وأبو نعيم "٣/ ١٢٢"، وابن أبي عاصم، "١٢٨١" و"١٢٨٢"، والبيهقي "٦/ ٢١٠"، والبغوي "٣٩٣٠"، والضياء في "المختارة" "٢٢٤١" من طريق خَالِدٌ الحَذَّاءُ، عَنْ أَبِي قِلاَبَةَ عَنْ أَنَسٍ، به.
وأخرجه الترمذي "٣٧٩٠"، وابن أبي عاصم "١٢٥٢" و"١٢٨٣" من طريق قتادة، عن أنس، به.
وهو حديث صحيح على شرط الشيخين.
[٣] صحيح: أخرجه من طرق عن سعد بن أبي وقاص: أحمد "١/ ١٧٣ و١٧٥ و١٨٤ و١٨٥" والبخاري "٣٧٠٦"، ومسلم "٢٤٠٤"، والترمذي "٣٧٢٤"، وابن ماجه "١١٥" و"١٢١"، وابن أبي عاصم في "السنة" "١٣٣٥" و"١٣٣٦" و"١٣٣٨" و"١٣٤٢" و"١٣٤٣"، والحاكم "٣/ ١٠٨-١٠٩".